معلمو الطفولة المبكرة .. استثمار الأردن في المستقبل
د. هشام العميان
25-01-2026 09:34 PM
لم تعد مرحلة الطفولة المبكرة مجرد محطة تمهيدية في المسار التعليمي، بل أصبحت اليوم الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الإنسان والمجتمع. ففي هذه السنوات الأولى تتشكل ملامح الشخصية، وتنمو المهارات اللغوية والاجتماعية، وتتكون الاتجاهات نحو التعلم والانضباط والسلوك. ولهذا، يُعد معلمو مرحلة الطفولة المبكرة من أكثر الفئات التربوية تأثيرًا في حياة الإنسان، رغم أن دورهم لا يحظى دائمًا بالتقدير الذي يستحقه.
في الأردن، يزداد الحديث عن أهمية هذه المرحلة، إلا أن الواقع العملي ما يزال بحاجة إلى اهتمام أكبر، لا سيما فيما يتعلق باختيار معلمي الطفولة المبكرة وتأهيلهم ودعمهم. فالتعامل اليومي مع الأطفال يتطلب جهدًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا، وصبرًا طويلًا، وقدرة على الاحتواء والتواصل الإيجابي، إضافة إلى فهم عميق لخصائص النمو في هذه المرحلة الحساسة. لذلك، لا يمكن النظر إلى هذه المهنة بوصفها خيارًا عاديًا، بل هي رسالة تربوية إنسانية تتطلب شغفًا والتزامًا.
وتؤكد الدراسات التربوية الحديثة أن جودة التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بكفاءة المعلم واستقراره المهني. فالمعلم المؤهل والقادر على الإبداع في بيئة تعليمية داعمة يسهم في تحسين التحصيل المستقبلي للطفل، ويرفع من فرص النجاح الأكاديمي لاحقًا. ولهذا، تحرص الدول المتقدمة على استقطاب أفضل الكفاءات إلى هذا المجال.
وفي هذا السياق، تُعد فنلندا مثالًا عالميًا بارزًا، إذ تُعامل مهنة التعليم، بما فيها تعليم الطفولة المبكرة، بوصفها مهنة مرموقة اجتماعيًا. ويجري اختيار المعلمين من بين الطلبة المتفوقين أكاديميًا والأنسب من حيث السمات الشخصية والدافعية نحو المهنة، مع تدريب عالٍ الجودة. وتشير بيانات الرواتب إلى أن معلمي الطفولة المبكرة في فنلندا يحصلون على راتب سنوي يتراوح تقريبًا بين 22,500 و31,000 دينار أردني قبل الضرائب، في رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في المعلم هو استثمار مباشر في جودة التعليم ومستقبل الأجيال.
وفي بريطانيا، تُعد مهنة معلم الطفولة المبكرة مهنة متخصصة تتطلب تأهيلًا جامعيًا وتدريبًا مهنيًا مستمرًا، ويُنظر إليها كجزء أساسي من منظومة التعليم. وتتراوح رواتب معلمي الطفولة المبكرة فيها تقريبًا بين 24,000 و35,000 دينار أردني سنويًا قبل الضرائب، وفق الخبرة والمنطقة الجغرافية. وتسعى هذه السياسة إلى جذب الكفاءات القادرة على التعامل مع متطلبات هذه المرحلة الدقيقة والمحافظة عليها داخل النظام التعليمي.
أما في اليابان، فيُنظر إلى مرحلة الطفولة المبكرة على أنها حجر الأساس في بناء شخصية الطفل وانضباطه وسلوكه الاجتماعي. ويُعطى معلمو هذه المرحلة دورًا مركزيًا في تنمية مهارات التعاون والمسؤولية منذ سن مبكرة، ويختلف مستوى الأجر حسب المدينة ونوع المدرسة، لكن بيانات الوظائف تشير إلى أن الرواتب السنوية لمعلمين في رياض الأطفال قد تتراوح تقريبًا بين 20,000 و24,000 دينار أردني قبل الضرائب، حسب التقديرات المختلفة لسوق العمل واتفاقيات الدفع.
ولا تهدف الرواتب المرتفعة في هذه الدول إلى الجانب المادي فحسب، بل تُعد أداة استراتيجية لجذب أفضل الكفاءات إلى مهنة تُصنف عالميًا من أكثر المهن إرهاقًا نفسيًا وبدنيًا، نظرًا لما تتطلبه من متابعة دقيقة لنمو الأطفال وسلوكهم، وتحمل مسؤولية كبيرة في مرحلة عمرية مؤثرة جدًا.
وفي الأردن، تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية شاملة تعيد الاعتبار لمعلمي الطفولة المبكرة، بدءًا من وضع معايير واضحة للالتحاق بهذا التخصص، في مقدمتها التفوق الأكاديمي في الثانوية العامة، والرغبة الحقيقية في العمل مع الأطفال، والقدرة على الصبر والعطاء. كما تتطلب هذه الرؤية تحسين أوضاع المعلمين المادية، وتوفير فرص تدريب مستمرة، ورفع مكانتهم الاجتماعية، باعتبارهم شركاء أساسيين في بناء الإنسان لا مجرد موظفين في قطاع التعليم، بما يتماشى مع تحديث العملية التعليمية الذي أكده جلالة الملك المعظم، وتوجيهات سمو ولي العهد الأمين، ودعم مركز الملكة رانيا العبدالله للطفولة والتعليم المبكر.
فبناء المستقبل لا يبدأ في الجامعات ولا في سوق العمل، بل يبدأ في رياض الأطفال، حيث تُصنع البدايات الأولى. ومعلم الطفولة المبكرة هو من يضع اللبنة الأولى في شخصية الطفل، وإذا أراد الأردن تعليمًا قويًا ومجتمعًا متماسكًا، فإن الاهتمام الحقيقي بهذه الفئة من المعلمين لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية واستثمارًا طويل الأمد في الإنسان والوطن.