المرأة العربية وسقف النار
أ.د سلطان المعاني
08-03-2026 11:19 PM
يطلّ يوم المرأة العالمي هذا العام على الشرق الأوسط من نافذةٍ مثقلة بالدخان، وشرفةٍ تتدلى فوقها أخبار النزوح، والانفجارات، والحدود القلقة، والخرائط التي تتبدل تحت ضغط الحديد والنار. وفي مثل هذه اللحظة، يغدو الحديث عن المرأة العربية حديثًا عن البيت خشية أن يتصدع، والمجتمع حين يختبر قدرته على الصبر، والحياة حين تبحث عمّن يحملها في أشد الساعات قسوة. فهذه المناسبة، في وجدان المنطقة، تتجاوز الطابع الاحتفالي، لتدخل مباشرةً في جوهر السؤال الكبير، حول الكرامة، والأمان، والعدالة، وموقع المرأة في زمنٍ تتزاحم فيه الأوجاع فوق كتفيها.
تقف المرأة العربية اليوم وهي تمسك أطراف الحياة من جهاتٍ شتى، وتدير تفاصيلها الدقيقة فيما تهتز الأرض من حولها. تظهر وهي تخبئ خوفها كي تمنح أبناءها بعض الطمأنينة، وتظهر معلمةً تواصل رسالتها وسط الاضطراب، وطبيبةً وممرضةً وإداريةً وعاملةً وصحافيةً ومتطوعةً، وتظهر أيضًا امرأةً عظيمةً في الفعل اليومي، لأن الفعل اليومي نفسه صار بطولةً في أزمنة الانكسار. يحمل الرجل في الحروب سلاحًا أو موقفًا أو وظيفةً عامة، وتحمل المرأة غالبًا أعباء الحياة كلها دفعةً واحدة، في البيت، وتربية الطفل، وتأمين الخبز، والإبقاء على الذاكرة، وقلق الانتظار، والقدرة على ترميم ما يتشقق في الداخل فيما العيون مشدودة إلى ما يتشقق في الخارج.
تشتعل المنطقة، فتتسع حول المرأة دوائر المشقة. حيث تضيق سبل العيش، وتتعثر سكينة البيوت، وترتفع كلفة الأيام، فيثقل الحمل داخل المنزل ويكبر خارجه. وحين تتحول المدن إلى مساحات قلق، تصبح المرأة أكثر التصاقًا بجوهر الحاجة الإنسانية، تحفظ توازن الأسرة، وتصون ما تبقى من عافية الروح، وتخيط من القليل سترًا للحياة. وفي المخيمات، والبيوت التي فقدت جدرانها أو طمأنينتها، والشوارع التي أرهقها الانتظار، يتجلى وجه المرأة العربية في صورةٍ مؤثرة، صورة الكائن الذي يواصل حمل العالم الصغير على كتفيه، فيما العالم الكبير من حوله يزداد اضطرابًا.
تكشف الحروب وجهًا آخر للحقيقة، فالمجتمعات تُقاس في الشدائد بطريقة نظرها إلى نسائها، وبمقدار الحماية التي تمنحها لكرامتهن، وبمقدار ما تفتح أمامهن من أبواب المشاركة، والتأثير، وصناعة القرار. وحين يُترك المجال العام أسير الأصوات الخشنة وحدها، تخسر الأمة كثيرًا من بصيرتها، لأن المرأة ترى من التفاصيل ما يراه القلب اليقظ، وترصد من الشقوق الاجتماعية ما يسبق الانهيار أو يرافقه أو يبطئه. ومن هنا، فإن الحديث عن المرأة في الشرق الأوسط الملتهب يتصل بمستقبل الإقليم نفسه، لأن بناء السلام يحتاج عقلًا يعرف كلفة التمزق على العائلة، والمدرسة، ولقمة الخبز، والطفل، وعلى الذاكرة اليومية للناس.
تحمل المرأة العربية، فوق ذلك كله، إرثًا طويلاً من القدرة على تحويل الألم إلى طاقة بقاء. تحفظ أسماء الغائبين، وتبقي الوجوه حيةً في الذاكرة، وتمنح البيوت المهددة سببًا للاستمرار، وتزرع في الأبناء شعورًا بأن الغد يستحق أن يُنتظر. وفي هذه القدرة يكمن سرّها الأكبر. فالرصاص يهدم جدارًا، أما المرأة فتعيد في كثير من الأحيان بناء الفكرة التي تجعل الجدار جديرًا بأن يُبنى من جديد. والقصف يربك المكان، أما هي فتمنحه أسماءه الحميمة، وتعيد ترتيب أشيائه، وتضخ في زواياه ما يكفي من روح كي يبقى بيتًا في وجدان أهله، حتى لو مرّ بامتحاناتٍ موجعة.
ويستدعي يوم المرأة العالمي، في هذه اللحظة العربية المشتعلة، مراجعةً جادة لطريقة حضور المرأة في الخطاب العام. فالإشادة وحدها صيغة ناقصة، والاحتفاء اللفظي يظل أقلّ من حجم ما تقدمه النساء في الواقع. تحتاج المرأة العربية إلى موقع يليق بما تحمله من أعباء وما تملكه من خبرة وما تبذله من جهد في إدارة الصعاب. تحتاج إلى تمثيل أوسع في مواقع القرار، وإلى حماية أرسخ في أوقات الاضطراب، وإلى اقتصاد يفتح أمامها أبواب الاستقلال الكريم، ووعي اجتماعي يرى فيها شريكًا كامل الحضور في صياغة المصير.
ويزداد هذا الأمر إلحاحًا في الشرق الأوسط، لأن المنطقة تدخل كل يوم امتحانًا جديدًا في قدرتها على حماية الإنسان من التوحش السياسي والعسكري والاقتصادي. وحين نتحدث عن المرأة العربية، فإننا نتحدث عن مقياسٍ أخلاقي لسلامة المجتمع، وعن مرآةٍ تكشف مستوى نضجه، وركيزة من ركائز توازنه الداخلي. فالمرأة في هذه البقعة من العالم عنوان من عناوين البقاء الحضاري، لأن الأوطان التي ترغب في النهوض تحتاج نساءً آمنات، قادرات، وفاعلات، مسموعات الصوت، وراسخات الموقع في التعليم، والعمل، والثقافة، والسياسة، وفي كل ساحة يصنع فيها الغد.
ويحسن في هذا اليوم أن تُقرأ المرأة العربية من زاوية أرحب، زاوية الكفاءة، والاحتمال، والصبر الخلاق، والقدرة على حمل الحياة في زمن الجفاف الروحي والسياسي. ففي كل بيت عربي قصة امرأة تؤخر تعبها كي يمضي الآخرون، وتؤجل انكسارها كي يبقى البيت قائمًا، وتكتم دمعتها كي تمنح من حولها شجاعة تكفي لعبور النهار. وهذه السيرة اليومية، الصامتة غالبًا، ترفع المرأة إلى مقامٍ رفيع في التجربة العربية المعاصرة، مقام الحارسة التي تسند المجتمع حين يميل، وتحمي وجدانه حين تتنازع عليه القسوة والفوضى.
ويغدو أجمل ما يقال في يوم المرأة العالمي، وسط هذا الشرق المتعب، أن المرأة العربية تستحق أكثر من خطاب جميل، تستحق زمنًا أهدأ، وعدالةً أصفى، وحضورًا أقوى رسوخاً، ومكانةً توازي ما قدمته وتقدمه كل يوم. فحين تهدأ الحرائق يومًا، وحين تخرج المنطقة من هذا الممر الثقيل، سيظهر بوضوح أن جانبًا كبيرًا من الذي بقي حيًا فينا بقي بفضل النساء، وبفضل صبرهن، وحكمتهن، وحنانهن، وقدرتهن على حمل الحياة في ساعةٍ كان الخراب فيها أكثر صخبًا من كل شيء.