الحرب الجديدة: معركة تُدار من داخل مراكز البيانات
د. حمزة العكاليك
08-03-2026 11:15 PM
جاءت توجيهات جلالة الملك لتطوير قدرات الجيش العربي الأردني بما يتلاءم مع طبيعة الحروب الحديثة، لتؤكد إدراكاً استراتيجياً عميقاً لحقيقة أن التفوق العسكري في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُقاس فقط بعدد الجنود أو حجم العتاد. فالحروب اليوم تتحول تدريجياً إلى حروب بيانات وخوارزميات، حيث تلعب تقنيات الذكاء الاصطناعي دوراً متزايداً في تحليل المعلومات الاستخباراتية وبناء صورة عملياتية دقيقة لساحة المعركة وتسريع عملية اتخاذ القرار العسكري. وفي هذا السياق يصبح الاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة والقدرات الرقمية جزءاً أساسياً من بناء جيوش أكثر مرونة وكفاءة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المتغيرة في منطقة تتسم بدرجة عالية من التعقيد الجيوسياسي.
فصوت المدافع لم يعد هو من يعلن انطلاق ساعة الصفر بل أصبحت همسات الخوارزميات في أروقة مراكز البيانات هي من ترسم مسارات الصواريخ وتحدد مصائر القادة. فقرار الحرب تحول من كونه فعلاً سياسياً إنسانياً صرفاً إلى عملية تنفيذ خوارزمية معقدة تتجاوز قدرة العقل البشري على الإدراك اللحظي. والتطور المتسارع في أنظمة الذكاء الاصطناعي، وخاصة النماذج اللغوية الكبيرة ذات النوافذ السياقية الهائلة مثل نظام كلود (Claude) الذي طورته شركة أنثروبيك (Anthropic) قد نقل مفهوم بنك الأهداف من مجرد قائمة ورقية إلى كيان رقمي حي يتنفس البيانات اللحظية ويحاكي المستقبل قبل وقوعه.
فلقد شهدت العمليات العسكرية الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط تحولاً جذرياً في كيفية معالجة المعلومات الاستخباراتية. فنظام كلود أصبح الدماغ الثاني للقيادة المركزية الأمريكية. كما إن القدرة الفريدة لهذا النظام على معالجة 200 ألف رمز (Token) في جلسة واحدة ما يعادل قرابة 150 ألف كلمة تسمح له بابتلاع أرشيفات كاملة من الوثائق المعترضة والاتصالات المشفرة والتقارير الميدانية وتحويلها إلى بنك أهداف دقيق ومصنف في ثوانٍ معدودة.
في عملية الغضب الملحمي الموجهة ضد أهداف في إيران لم يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على المساعدة بل كان هو المحرك الأساسي لتقييم ساحة المعركة. واستخدمت القيادة المركزية نظام كلود لتحليل ثغرات الدفاع الجوي الإيراني ومحاكاة سيناريوهات الرد المحتملة قبل إطلاق أول صاروخ. هذا النوع من التحليل العميق يتجاوز مجرد تحديد الإحداثيات؛ إنه يغوص في نفسية الخصم بناءً على مخزون ضخم من البيانات التاريخية والسلوكية. كما تضمن أن تكون خطط المعارك المرسومة خوارزمياً واقعية وقابلة للتنفيذ مع مراعاة الظروف المحيطة والمتغيرات الطارئة التي قد تظهر فجأة في الميدان.
كما تعد قصة اختراق شبكة كاميرات المراقبة في طهران من قبل الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية واحدة من أكثر العمليات تعقيداً في تاريخ التجسس الرقمي. فلم يكن الهدف مجرد المشاهدة، بل كان بناء توأم رقمي لسلوك القادة والمسؤولين الإيرانيين. فلسنوات طويلة كانت آلاف الكاميرات المرورية والأمنية في طهران ترسل بياناتها المشفرة إلى خوادم في تل أبيب وجنوب إسرائيل.
هذا التحليل مكّن الاستخبارات من بناء ملفات دقيقة لكل فرد في الدائرة الأمنية المحيطة بصناع القرار بما في ذلك عناوين منازلهم وعاداتهم اليومية. وعندما تم تحديد ساعة الصفر لاستهداف المرشد الأعلى الإيراني أو غيره من القيادات كانت الخوارزمية قد حددت بالفعل الثغرة الزمنية والمكانية المثالية بناءً على انحراف بسيط في نمط الحياة المعتاد.
هذا النوع من الاستهداف القائم على البيانات هو الذي حول مدينة بحجم طهران إلى كتاب مفتوح للمهاجمين. فالدمج بين اختراق الكاميرات والسيطرة على أبراج الاتصالات سمح بعزل الأهداف تماماً حيث جعلت الهجمات السيبرانية الهواتف المحمولة تظهر كأنها مشغولة لمنع وصول أي تحذيرات لحظية.
كما إن الاستفادة من البيانات الضخمة في رسم خطط المعارك تتطلب منهجية واضحة تقسم الأهداف إلى مستويات زمنية وتأثيرية. وتسمح تقنية التوائم الرقمية للقادة العسكريين بإجراء تجارب حية على نماذج افتراضية لساحات المعارك. فمن خلال دمج بيانات الحساسات وصور الأقمار الصناعية وحتى بيانات الأجهزة القابلة للارتداء للجنود يمكن للذكاء الاصطناعي التنبؤ بحالات الإرهاق القتالي أو فشل المعدات قبل وقوعه.
إننا نقف أمام حقيقة لا تقبل الجدل: الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة إضافية في الترسانة العسكرية، بل هو المحيط الذي ستسبح فيه كل حروب المستقبل.
في ظل هذا المشهد الإقليمي المتفجر جاءت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين لتضع الأردن في طليعة القوى التي تدرك ماهية الحرب الهجينة. فالرسالة الملكية الموجهة إلى رئيس هيئة الأركان لم تكن مجرد طلب للتطوير بل كانت أمراً بـ تحول هيكلي شامل. هذا التحول يهدف إلى جعل الجيش الأردني جيشاً رشيقاً يتميز بالكفاءة والقدرة على الردع الاستراتيجي في بيئة عملياتية معقدة وغير تقليدية.
تذكر دائماً: في حرب الخوارزميات ساعة الصفر هي الآن والمنتصر هو من يمتلك القدرة على معالجة البيانات وتحويلها إلى فعل استراتيجي قبل أن يدرك الخصم أنه قد خسر المعركة بالفعل.