من السندات إلى الذهب: لماذا يجب إعادة هندسة استثمارات صندوق الضمان ؟
د.عدلي قندح
25-01-2026 10:22 PM
تشير البيانات الرسمية إلى أن صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي في الأردن يمتلك محفظة استثمارية واسعة ومتنوّعة تبلغ قيمتها حوالي 18.6 مليار دينار بنهاية عام 2025، بعد نمو بنحو 15٪ مقارنة بعام 2024. وتُظهر أرقام التوزيع أن السندات تمثل نحو 57.8٪ من إجمالي المحفظة، تليها الأسهم بنحو 18.2٪، ثم أدوات السوق النقدي حوالي 12.6٪، في حين تكون العقارات نحو 5٪ والقروض 3.2٪ والاستثمارات السياحية 1.8٪.
لقد ساعد هذا التوزيع في تحقيق عوائد منتظمة مع ضمان سيولة كافية للوفاء بالالتزامات المستقبلية، خاصة في ظل الدور الكبير الذي يضطلع به الصندوق في منظومة الحماية الاجتماعية. وتبقى السندات والأدوات النقدية الخيار التقليدي الأبرز ضمن هذه الاستثمارات، بما يوفّر درجة من الثبات في العوائد وملائمة مع الالتزامات المستقبلية.
في الوقت نفسه، تدعو التحولات الاقتصادية العالمية الراهنة إلى التفكير في تنويع أوسع للأصول داخل المحفظة الاستثمارية، لا بهدف المجازفة أو الابتعاد عن المبادئ المحافظة لإدارة أموال الضمان، بل لتعزيز القدرة على الحفاظ على القيمة الحقيقية للمدخرات على المدى الطويل. وفي هذا السياق، تتبلور فكرة إدخال الذهب كنسبة لا تقل عن 15٪ من إجمالي الموجودات، إلى جانب نسبة ثانوية للفضة، كجزء من خطة تنويع أوسع تدعم الاستدامة المالية والصمود أمام تغيرات الأسواق والظروف الاقتصادية المختلفة.
الذهب لا يُنظر إليه هنا كأداة مضاربة، بل كأصل نقدي تاريخي أثبت على مدى عقود قدرته على حفظ القيمة وتقديم مكوّن احتياطي يكمّل الأصول التقليدية. دعم هذا التوجّه لا يقتصر على الاعتبارات النظرية فحسب، بل يعكس أيضاً تزايد الاهتمام باستخدام الذهب ضمن استراتيجيات الاستثمار المؤسسي العالمي، وإن كان هذا لا يزال في مراحل مختلفة لدى الصناديق الكبرى.
على سبيل المثال، بعض صناديق التقاعد في سويسرا تعتبر الذهب مكوّناً مهماً في محفظتها كوسيلة لتحسين التنويع وتقليل التقلبات، وقد ركّزت التحليلات على أهمية هذا التخصيص من منظور إدارة المخاطر والاستقرار طويل الأجل ضمن محافظ التقاعد.
وفي نمط قريب، أعلن نظام التقاعد الوطني في الهند عن إستراتيجية تتيح له الآن الاستثمار في صناديق مؤشرات متداولة مدعومة بالذهب والفضة، بهدف زيادة تنويع الأصول وتعزيز العوائد طويلة الأجل لمشتركيه، ضمن حدود تخصيص معتمدة للأصول البديلة.
من جهة أخرى، يستكشف أكبر صندوق تقاعد حكومي في اليابان (Government Pension Investment Fund – GPIF) إمكانية إدراج أصول غير سائلة مثل الغابات والمنازل وحتى الذهب ضمن المحفظة كجزء من الدراسة الإستراتيجية لتوسيع فئات الأصول ورفع كفاءة التنوّع، رغم أن هذا لم يُفعَّل بعد.
هذه التجارب العالمية، وإن كانت متنوعة في مراحلها وتطبيقاتها، تعكس توجهات مستقرة نحو استخدام الذهب كأداة مكملة في استراتيجيات طويلة الأجل لصناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، لا من منظور مضارب، بل كجزء من نهج أوسع لإدارة المخاطر وتعزيز الاستدامة المالية.
وفي ضوء ذلك، فإن تخصيص جزء من موجودات صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي نحو الذهب والفضة يمكن أن يكون خطوة مدروسة نحو تعزيز القيمة الحقيقية للمدخرات، وتحسين المرونة أمام أحداث اقتصادية مختلفة، ودعم الاستدامة المالية طويلة الأجل، مع الحفاظ على الالتزام بسياسات استثمار حكيمة ومنضبطة. التنويع الواعي عبر فئات الأصول، بما فيها الذهب، لا يقل أهمية عن اختيار فئات الأصول نفسها؛ بل هو تعبير عملي عن استراتيجية استثمار رشيدة تتماشى مع أفضل الممارسات الدولية.