"الإعلام الرقمي" بين حرية التعبير ومسؤولية التنظيم والمستقبل المستدام
فيصل تايه
26-01-2026 11:33 AM
خلال الفترة الماضية، تلقيت العديد من الاتصالات والآراء من كتاب وإعلاميين وخبراء ومؤثرين وأصحاب قرار ، تعليقاً على مقالي السابق حول إشكالية ضبط وتنظيم مشهد الإعلام الرقمي ، وفي حواراتنا المكثفة، برز تباين في المواقف بين مؤيد وناقد ومتحفظ، لكن ما اتفق عليه الجميع هو حقيقة واضحة: الإعلام الرقمي لم يعد امتداداً للإعلام التقليدي، بل تحول إلى بيئة مستقلة، مؤثرة، ذات أبعاد اقتصادية وإبداعية واجتماعية عميقة، وقادرة على صياغة مستقبل الإعلام في الأردن.
هذا الإدراك الجماعي يجعل النظام الرقمي الجديد أكثر من مجرد نص تنظيمي ، إنه خطوة استراتيجية لإعادة تشكيل المشهد الإعلامي الرقمي على أسس واضحة وعدالة، تحمي حرية الإبداع، وتفتح مسارات عمل حقيقية، وتمنح الأجيال القادمة فرصاً مستدامة في فضاء أصبح جزءاً من الاقتصاد الوطني، ويشكل رافداً أساسياً للابتكار والنمو.
وقد كشف الحوار أيضاً عن وجود أطراف تحمل تحفظات على مسودة النظام، مع ملاحظات محددة على بعض المواد والصياغات ، وكان الاطلاع على هذه الآراء ضرورياً لفهم المقاربات المطروحة وتقريب وجهات النظر ، فالنجاح التنظيمي لا يبنى بالإقصاء، بل باستيعاب الاختلاف وصياغة توازن يحفظ النظام دون أن يخنق الإبداع أو يقيد حرية التعبير، ويعزز الثقة بأن هذا المسار يخدم المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر.
ان أي نقاش حول تنظيم الإعلام الرقمي يجب أن يبدأ بفهم طبيعة الجيل الحالي والقادم، الذي ولد في عالم رقمي ويعتمد في سلوكه وعمله على الأدوات الرقمية والإبداعية ، فهذا الجيل ليس مجرد جمهور أو متلقي، بل صانع محتوى، ومبتكر، وريادي أعمال يحتاج إلى بيئة توفر له الحرية ضمن حدود تضمن العدالة والمنافسة الشريفة، وتحمي حقوقه المهنية والاقتصادية، وتشجع فرص العمل والإبداع المستدام.
ومن هنا تبرز أهمية أن يكون النظام الجديد مخصصاً للأجيال القادمة، ليكون منصة لإطلاق طاقاتهم، ويتيح لهم تحويل أفكارهم إلى مشاريع مبتكرة قابلة للنمو ، فالنظام لا يمثل مجرد إطار تنظيمي، بل فرصة حقيقية لتوفير آلاف الوظائف المستدامة، وتعزيز مهارات الشباب الرقمية والإبداعية، وتهيئة بيئة تواكب التطورات العالمية، وتجعل الأردن نموذجاً رائداً في المنطقة.
التحدي الحقيقي يكمن في بناء توازن دقيق بين الحرية والمسؤولية، وبين الابتكار والتنظيم، وبين حماية الجمهور وضمان شفافية السوق ، فغياب الأطر الواضحة يفتح الباب للفوضى ويضعف الثقة، بينما التنظيم المرن والمتوازن يخلق بيئة صحية تزدهر فيها المبادرات، وتدار الاختلافات ضمن قواعد واضحة، وتحمى المصالح العامة دون وصاية أو تعسف.
من جهة أخرى، يجب إدراك أن بعض الجهات التي لم تنجح في العمل ضمن الأطر القانونية وخسرت معركتها قد تحاول استغلال المنصات الرقمية ووسائل التواصل لتعطيل المسار أو فرض أجنداتها الخاصة ، ومواجهة هذه المحاولات لا تكون بالتصعيد، بل عبر إطار تنظيمي متماسك، منفتح على الحوار، يشرك الفاعلين الجادين، ويمنح الجميع مساحة للمشاركة في صياغة مستقبل الإعلام الرقمي ضمن قواعد واضحة ومسؤولة.
التمييز الدقيق بين أنماط الفاعلين في الفضاء الرقمي أمر محوري ، فهناك فرق بين التعبير الفردي الحر، والعمل الإعلامي المنظم، والنشاط التجاري، وصناعة المحتوى الاحترافية ، والتنظيم الذكي يستوعب هذه الفروق، ويحدد الحقوق والواجبات بوضوح، ويحمي حرية الإبداع، ويمنع إساءة استغلال المنصات الرقمية، مع تعزيز فرص النمو والإبداع للشباب والمبدعين الجدد.
الرهان الحقيقي اليوم ليس على تمرير نص أو رفضه، بل على صياغة نظام واضح، مرن، وقابل للتطوير، يستشرف التحولات القادمة، ويؤسس لبيئة إعلامية مسؤولة وقادرة على المنافسة محلياً وإقليمياً، مع الحفاظ على حق المجتمع في الوصول إلى معلومات دقيقة وموثوقة ، فهذا النهج يحول التنظيم من عبء إلى فرصة، ويعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة، مع التركيز على الشباب كمستفيدين الرئيسيين.
وتجدر الإشارة إلى أن التجربة الأردنية أصبحت محط اهتمام دول الجوار، التي تتابع النظام عن كثب وتسعى لاستلهام مقاربته لضبط المشهد الرقمي مع حماية الحرية والابتكار ، وهذا الاهتمام الإقليمي يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة لضمان نضج التجربة، وتطبيقها بعقلانية، بعيداً عن أي محاولات لتعطيل المسار أو اختزاله في صراعات جانبية.
هذا المسار لا يعني الحد من المبادرات أو تقييد المحتوى، بل وضع قواعد عادلة تحمي المهنة، وتمنع الفوضى، وتخلق بيئة عمل صحية، تسهم في تحويل الإعلام الرقمي إلى قطاع منتج يدعم النمو الاقتصادي ويعزز مكانة الأردن الإقليمية.
وفي هذا السياق، يبرز دور الجهات المعنية بوصفها مؤسسات تنظيمية لا وصائية، مسؤولة عن الإشراف ووضع الضوابط، إلى جانب دور النخب الإعلامية وصناع الرأي كشركاء في الحوار الوطني، لضمان نصوص مرنة، واضحة، وقابلة للتطوير، ومحمية من سوء التفسير أو التطبيق، مع التأكيد على أن الشباب هم المستفيدون الرئيسيون من هذه الفرص.
خلاصة القول، أن الهدف الاستراتيجي للنظام يتمثل في بناء إعلام رقمي أردني متقدم، يوازن بين حرية التعبير وحماية المهنة، وبين الابتكار والمسؤولية، ويخلق بيئة اجتماعية واقتصادية صحية، ويجعل المستقبل الإعلامي مستداماً، عادلاً، ومليئاً بالفرص للأجيال القادمة ، تنظيم ذكي لا يُقرأ كنص تشريعي جامد، بل كرؤية وطنية شاملة تستوعب التحولات الرقمية، وتضع الأردن في موقع تنافسي متقدم.
والله الموفق