الأردن 2040 .. رؤية وطنية
م. عامر البشير
26-01-2026 02:34 PM
الدول تصنع مستقبلها بالفعل لا بالترقّب
لسنا شعبًا يفتقر إلى الذكاء، ولا دولة حُكم عليها أن تبقى على هامش الزّمن، ما افتقدناه في مراحل كثيرة لم يكن القدرة، بل وضوح القرار، ولم تكن المشكلة في نقص الموارد فقط، بل الحسم وأي طريق نسلك.
الدول لا تنهض صدفة، بل بخيارات واضحة، وكل التجارب الناجحة بدأت حين حوّلت
الطموح إلى برامج، والكلام إلى عمل، والسياسات إلى اقتصاد منتج، اليوم لا يقف الأردن أمام مفترق طرق، بل أمام مفترق أسئلة حقيقية:
• هل نريد دولة تجيد الارقام وجمع الإيرادات؟
• أم دولة تحسن الانتاج وتراكم القيمة؟
من هنا يبدأ الفرق.
الدولة التي تقيس نجاحها بما تجبيه فقط، تُراكم القلق بدل الثقة، وتبني اقتصادًا هشًا مهما بدت أرقامه مطمئنة.
أما الدولة المنتِجة، فهي التي تُعيد للعمل قيمته، وللوظيفة معناها، وللاقتصاد شراكة عادلة بين الدولة والمجتمع:
الدولة تُمكّن، المواطن يعمل، والسوق يكافئ، في هذا النموذج، لا يكون الإنتاج رقمًا في الناتج المحلي فقط، بل أساسًا للاستقرار والكرامة.
الإنسان أولًا .. التعليم بوصفه أداة إنتاج
لا نهضة من دون إنسان منتج، ولا إنسان منتج من دون تعليم مرتبط بسوق العمل الحقيقي، والتعليم ليس هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة، وشهادة لا تقود إلى فرصة عمل تفقد جزءًا كبيرًا من معناها.
ما يحتاجه الأردن هو تحوّل جدي نحو التعليم التقني والتطبيقي، المرتبط بسلاسل قيمة واضحة، يعيد الاعتبار للعمل المهني، ويحوّل المهارة إلى مصدر دخل يوفّر حياة كريمة، واحترام اجتماعي.
عندما يلتقي التعليم بالإنتاج، تنكسر دائرة الفقر والإحباط من أساسها ويتحقق الامن المجتمعي.
من اقتصاد الجباية إلى اقتصاد القيمة
تحدي الأردن ليس في قلة الموارد، بل في تشتّت الأولويات.
القيمة لا تُخلق بتوسيع القطاعات بلا اتجاه، بل بالتركيز على قطاعات محددة ذات قيمة مضافة، قادرة على تعميق الإنتاج وتوليد دخل مستدام، مثل:
• الصناعات الدوائية والتقنيات الصحية، عبر التخصص والبحث والتطوير.
• الصناعات الغذائية المتقدمة، بالانتقال من الإنتاج الخام إلى التصنيع والتسويق.
• الخدمات الرقمية والتعهيد - إسناد خدمات محددة لجهات متخصصة، بهدف رفع الكفاءة، خفض الكلفة، وتحويل المهارات إلى قيمة اقتصادية قابلة للتصدير - كقطاعات عالية القيمة وقليلة الكلفة على الموارد.
• الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة، ليس في التوليد فقط بل في الحلول والتخزين والإدارة.
• التعدين والصناعات التحويلية بدل تصدير المواد الخام.
• السياحة النوعية: الطبية والعلاجية، البيئية، الدينية، الثقافية وصناعة الافلام.
• النقل واللوجستيات الحديثة، باعتبارها العمود الفقري لأي اقتصاد منتج.
هذه ليست أفكارًا نظرية، بل فرص حقيقية إذا دُعمت بسياسات مستقرة وواضحة.
ملفات السيادة .. الماء، والطاقة، والنقل، والرقمنة
هذه الملفات ليست تقنية فقط، بل سيادية، النقل العام الجيد، يربط فرص العمل مع الباحثين عنه، يخفض كلفة المعيشة ويرفع إنتاجية العامل ويزيد معدلات النموّ، كما انّ إدارة الطاقة بعقل اقتصادي ينعكس على كلف الانتاج ويحمي الصناعة، ويحافظ على الطبقة الوسطى، أما الرقمنة، فليست منصات وشعارات، بل:
• وقت يحترم المواطن
• خدمات سريعة
• مساءلة قائمة على الأداء لا الخطاب
العدالة والطبقة الوسطى .. أساس الاستقرار
لا اقتصاد منتج من دون عدالة، ولا عدالة من دون عمل، الحماية الاجتماعية الذكية لا تشجّع البطالة، بل تربط الدعم بالتدريب، والحماية بالمشاركة.
الدولة التي تُضعف طبقتها الوسطى تُضعف نفسها، بينما توسيع هذه الطبقة يعيد بناء الثقة والاستقرار والانتاج.
الدولة الذكية .. من القوانين إلى النتائج
الدولة الذكية لا تُقاس بعدد القوانين، بل بسرعة وجودة ما تحققه:
• موازنات مبنية على الأداء
• إجراءات بسيطة
• خدمات حقيقية
• رقابة تركز على النتائج لا النوايا، كلها أدوات نمو، لا كماليات شكلية.
خاتمة
ما يعيق النهضة ليس الموقع الجغرافي ولا قلة الموارد، بل تردد القرار، والفجوة بين التعليم وسوق العمل، وارتفاع كلفة الإنتاج، واللجوء إلى الجباية السهلة بدل الاستثمار الصعب.
لكن التاريخ يعلّمنا أن الطريق الأصعب هو الذي يبني الدول، الأردن قادر، إذا ربط السياسة بالاقتصاد، والعدالة بالإنتاج، والقرار بالنتيجة، فالنهضة لا تُستورد، ولا تُستنسخ، بل تُبنى بإرادة واضحة وعقل تنموي، لم يعد الأردن يملك ترف التردد، ولا رفاهية السياسات المؤقتة.
فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل حين تؤجّل القرارات الصعبة، وتستبدل الاستثمار بالإيراد السهل، والإنتاج بإدارةٍ تُدير العجز لا المستقبل.
الطريق إلى 2040 واضح ..
دولة تُنتج لا تُحصّل فقط، تُخطّط لا تُسكّن، وتربط التعليم بالعمل، والعدالة بالقيمة، والاقتصاد بالكرامة، والارادة بالحسم.
السؤال لم يعد إن كان الأردن قادرًا — فهو كذلك.
السؤال الوحيد هو:
هل نملك شجاعة أن نختار، ونلتزم بما قرّرنا، وندفع كلفة البناء بدل كلفة الانتظار؟
هذه ليست أمنيات ... إنها معادلة نهوض ...
والأردن — إن اختار — قادر.