لماذا لا يتزامن الدمار مع الاعمار؟
احمد الرفاعي
26-01-2026 10:55 PM
لستُ محللًا عسكريًا، ولا أدّعي امتلاك مفاتيح غرف القرار، لكنني أتابع السياسة بوصفها علم مصالح وتوازنات، لا مسرحًا للانفعال ولا مادةً لملء فراغ البرامج التلفزيونية.
كثيرٌ مما يُطرح اليوم من تحليلات حول ضربة أمريكية محتملة لإيران لا يمتّ إلى السياسة بصلة، بقدر ما ينتمي إلى عالم الدراما وعشّاق الفوضى وعناوين الإثارة.
ومن أكثر هذه الطروحات “الضربة تأجلت بسبب الأحوال الجوية”، وكأننا نتحدث عن رحلة مدرسية إلى عجلون ودبين لا عن قرار حرب تتخذه دولة عظمى عبر منظومة مؤسسية معقّدة تشمل الرئاسة، والبنتاغون، ومجلس الأمن القومي، والحلفاء.
الطقس قد يؤثر على ساعة التنفيذ بعد اتخاذ القرار، لكنه لا يفسّر غياب القرار نفسه. أما تحويله إلى سبب سياسي، فليس إلا استخفاف بعقل المتلقي.
من منطلق قناعتي وتحليلي المتواضع، أرى أن الدمار والإعمار لا يتزامنان أبدًا، وهذه ليست مقولة إنشائية، بل حقيقة أثبتتها التجربة. لا يمكن للإدارة الأمريكية أن تمضي في مشروع إقليمي سياسي كترتيب شامل أو مجلس سلام، وفي الوقت ذاته تفتح حربًا كبرى مع إيران، وهنا المساران متناقضان، والجمع بينهما غير معقول سياسيًا ولا يقبله العقل والسير في المسارين معًا، فمعناه نسف الاثنين.
جوهر السياسة ليس بالانفعال ولا باستعراض القوة، بل بترتيب الأولويات واختيار لحظة الفعل.
ما يجري اليوم ليس مسألة ضربة مؤجلة أو حرب وشيكة بقدر ما هو صراع بين مسارين، مسار يريد تثبيت واقع سياسي جديد، ومسار يدفع نحو الفوضى وإعادة المنطقة الى مربع الصفر. والتاريخ القريب يعلّمنا أن من يخلط بين المسارين يخسر الاثنين معًا.