مدخرات الأردنيين ليست صندوق مخاطر لإنقاذ عجز الحكومات المتعاقبة
د. موسى الرحامنة
07-03-2026 05:38 PM
في الدول المستقرة لا يُنظر إلى الضمان الاجتماعي بوصفه مؤسسة مالية فحسب، بل باعتباره أحد أعمدة العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع؛ فحيث يشعر المواطن أن شيخوخته مؤمّنة وحقوقه التقاعدية مصونة، يتعزز الإحساس بالأمان والاستقرار، ويترسخ الإيمان بعدالة الدولة وقدرتها على حماية مواطنيها عبر الزمن. ولهذا فإن أنظمة الضمان الاجتماعي في الدول الحديثة ليست مجرد صناديق ادخار، بل هي في جوهرها ركيزة من ركائز الاستقرار الاجتماعي والسياسي.
ومن هنا تحديدًا؛ تأتي حساسية الحديث عن أموال الضمان الاجتماعي في الأردن؛ فهذه الأموال ليست فائضًا ماليًا في خزينة الدولة، ولا بندًا من بنود التمويل المتاح للحكومات عند اشتداد العجز، بل هي مدخرات ملايين الأردنيين الذين اقتطعت جزءًا من دخولهم على مدى عقود ليضمنوا لأنفسهم ولأسرهم حدًا أدنى من مستقبل آمن.
ومع هذا، فإن ملف استدانة الحكومات من أموال الضمان الاجتماعي ظل طوال السنوات الماضية أحد أكثر الملفات إثارة للقلق؛ فالسؤال الذي يتكرر في الشارع الأردني ليس مجرد سؤال مالي، بل سؤال ثقة: إلى أي مدى بقيت مدخرات الأردنيين بمنأى عن ضغوط العجز المالي الحكومي؟
ولا بد من القول ابتداءً إن استثمار أموال صناديق التقاعد في السندات الحكومية ليس أمرًا شاذًا في التجارب الدولية؛ فكثير من الدول تفعل ذلك باعتباره استثمارًا منخفض المخاطر؛ غير أن الفارق الجوهري يكمن في الحدود والضوابط؛ ففي الأنظمة المالية المتوازنة يكون هذا الاستثمار جزءًا من محفظة متنوعة ومدروسة، أما حين يتحول إلى أحد الأعمدة الرئيسة لتمويل العجز المالي، فإن العلاقة بين الدولة وصناديق الضمان تصبح علاقة ملتبسة تتداخل فيها الاعتبارات المالية مع الحقوق الاجتماعية للمشتركين.
وهنا يكمن جوهر المشكلة؛ فالمسألة ليست في مبدأ الاستثمار في السندات الحكومية بحد ذاته، بل في تحول أموال الضمان إلى مصدر مريح لتمويل الدين الداخلي؛ فالحكومات التي تواجه عجزًا ماليًا متكررًا تبحث بطبيعة الحال عن مصادر تمويل أقل كلفة وأكثر سهولة، وكانت أموال الضمان عبر سنوات طويلة أحد هذه المصادر.
لكن هذه المعادلة تحمل في طياتها إشكالية عميقة؛ فعندما تصبح مدخرات العمال جزءًا من منظومة تمويل العجز العام، فإن الحدود الفاصلة بين المال العام وأموال المشتركين تبدأ بالتآكل تدريجيًا، وتتحول مؤسسة الضمان – التي أنشئت أساسًا لتكون مظلة أمان اجتماعي – إلى ما يشبه الخزان الاحتياطي الذي يُستدعى كلما اشتدت أزمة الخزينة.
واللافت أن التحذير من هذه الإشكالية ليس جديدًا؛ فقد كشف دولة الدكتور عمر الرزاز، في حوار حديث قبل أيام، أنه عندما كان مديرًا عامًا لمؤسسة الضمان الاجتماعي قبل نحو عشرين عامًا، كانت هناك دراسات اكتوارية معمقة أُعدّت آنذاك لاستشراف مستقبل الصندوق واستدامته على المدى الطويل. وقد أظهرت تلك الدراسات، بحسب ما أشار إليه، ملامح مخاطر محتملة إذا استمر التعامل مع أموال الضمان ضمن المعادلة المالية العامة للدولة دون ضوابط واضحة.
ويذكر الرزاز أنه عرض نتائج تلك الدراسات على رئيس الوزراء آنذاك دولة الدكتور معروف البخيت رحمه الله، الذي أدرك خطورة ما تشير إليه المعطيات، ووضع جلالة الملك في صورة الأمر؛ وقد أُعطي الملف آنذاك درجة عالية من الأهمية، وبدأ العمل على اتخاذ إجراءات مؤسسية تهدف إلى حماية أموال الضمان وتعزيز استقلالية إدارتها الاستثمارية.
إن استحضار هذه الواقعة هو تذكير بأن التحذير كان مبكرًا، والتشخيص كان واضحًا؛ فالدراسات الاكتوارية لا تبني استنتاجاتها على الانطباعات أو المخاوف الشعبية، بل على نماذج علمية دقيقة تستشرف مستقبل الصناديق التقاعدية في ضوء المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية.
غير أن السؤال الذي لا يقل أهمية عن كل ما سبق هو: في عهدة من هي أموال الضمان أصلًا؟ ومن يدير هذه المدخرات؟
من الناحية القانونية، فإن إدارة هذه الأموال لا تتولاها الحكومة مباشرة، بل عهد بها إلى صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي، وهو كيان استثماري أنشئ خصيصًا لإدارة مدخرات المشتركين وتنميتها وفق أسس احترافية. وتتمثل مهمة هذا الصندوق في تحقيق عوائد مستدامة مع الحفاظ على مستويات عالية من الأمان المالي، لأن هذه الأموال تمثل حقوقًا مستقبلية لملايين الأردنيين.
ولا يمكن إنكار أن الصندوق نجح خلال السنوات الماضية في بناء محفظة استثمارية واسعة نسبيًا، وحقق عوائد مهمة في مراحل متعددة؛ غير أن المشكلة لم تكن في وجود الصندوق بحد ذاته، بل في طبيعة البيئة المالية التي يعمل ضمنها.
فالخلل الحقيقي يكمن في ثلاثة مواضع رئيسية: أولها؛ ارتفاع نسبة استثمارات الضمان في السندات الحكومية مقارنة بالاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل، ما جعل جزءًا معتبرًا من مدخرات المشتركين مرتبطًا مباشرة بالدين العام. وثانيها؛ استمرار العجز المالي في الموازنة العامة، الأمر الذي يبقي الحكومة بحاجة دائمة إلى التمويل الداخلي. أما ثالثها؛ فهو محدودية النقاش العام الشفاف حول تفاصيل هذه العلاقة المالية، وهو ما يفتح الباب واسعًا أمام القلق الشعبي والتأويلات.
وقد ظهر جانب من هذا القلق بوضوح؛ في الطريقة التي عُرض بها مشروع تعديل قانون الضمان الاجتماعي مؤخرًا على مجلس النواب؛ فالجلسة التي خُصصت لمناقشة هذا الملف الحساس شهدت جدلًا واسعًا، ليس فقط بسبب مضمون المشروع، بل بسبب الطريقة التي طُرح بها أصلًا للنقاش.
فقد بدأت الجلسة بخطابات حكومية ركزت على الأوضاع الإقليمية والتحديات التي تحيط بالأردن، وعلى أهمية وحدة الجبهة الداخلية في مواجهة تلك التحديات؛ وهي بلا شك قضايا وطنية لا يختلف أحد على أهميتها؛ غير أن ربطها بملف الضمان الاجتماعي أعطى انطباعًا لدى كثيرين بأن المطلوب من المجلس أن يقف إلى جانب الحكومة في هذا الملف أكثر من أن يمارس دوره التشريعي والرقابي الكامل.
ثم جاءت لحظة طرح مشروع القانون بطريقة بدت، في نظر كثير من النواب والمراقبين، بعيدة عن تقاليد العمل البرلماني الرصين. فبدل أن يأخذ النقاش مداه الطبيعي حول قضية تمس مدخرات ملايين الأردنيين، جرى طرح المشروع ثم رفع الجلسة وسط أجواء متوترة، في مشهد أعطى انطباعًا بأن الحكومة فضّلت الانسحاب من مواجهة نقاش برلماني صريح حول القانون، بدل إدارة حوار مؤسسي هادئ حوله.
والمشكلة هنا لا تتعلق فقط بمضمون القانون، بل بالطريقة التي أُدير بها النقاش حوله؛ فملفات بحجم الضمان الاجتماعي لا تُطرح بمنطق الاستعجال أو تحت ضغط اللحظة السياسية، لأنها تتعلق بمستقبل منظومة الحماية الاجتماعية في الدولة. ومجلس النواب، بحكم دوره الدستوري، ليس مطلوبًا منه أن يكون ظهيرًا سياسيًا للحكومة، بل ساحة للنقاش الوطني العميق الذي يوازن بين مصالح الدولة وحقوق المواطنين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي نظام ضمان اجتماعي ليس الخسارة المالية المباشرة، بل تآكل الثقة؛ فالضمان في جوهره نظام قائم على الثقة بين الأجيال؛ العامل اليوم يدفع اشتراكاته لأنه يثق بأن النظام سيبقى قادرًا على الوفاء بالتزاماته غدًا؛ وإذا اهتزت هذه الثقة، فإن أساس النظام نفسه يصبح موضع تساؤل.
ولهذا فإن معالجة هذا الملف لا تكون بالدفاع أو الإنكار، بل بإصلاحات واضحة تعيد رسم العلاقة بين الدولة وأموال الضمان على أسس أكثر توازنًا وشفافية؛ فهذه الأموال ليست ملكًا لحكومة اليوم ولا لحكومة الغد، بل هي ملك للأجيال التي بنتها باقتطاعاتها الشهرية على مدى عقود.
وفي النهاية، يبقى الضمان الاجتماعي أحد أهم إنجازات الدولة الأردنية الحديثة، وأحد أعمدة الاستقرار الاجتماعي فيها؛ لكن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب شجاعة في الاعتراف بالمشكلة، وحكمة في معالجتها، وإرادة سياسية تحمي مدخرات الناس كما تحمي حدود الدولة.
فالمدخرات التي اقتُطعت من رواتب الأردنيين على مدى عقود لم تُدفع لتكون مسكنًا لعجز الموازنات، بل لتبقى كما أرادها مؤسسو هذا النظام: ضمانًا حقيقيًا لكرامة الأردنيين وأمان أجيالهم القادمة.