الصحافة الساخرة… حين يصبح القلم سيفًا وصحبة العقل مرحًا
محمد مطلب المجالي
27-01-2026 10:36 AM
هناك نوع من الصحافة لا يكتفي بسرد الأحداث، بل يرقص فوقها، يضحك على زيفها، ويكشف ما يخفيه الآخرون عن أعين الناس. هؤلاء الذين أتقنوا الكتابة الساخرة، مثل المرحوم محمد طمليه، ويوسف غيشان، وأحمد الزعبي، وعبد الهادي راجي المجالي، لم يكونوا مجرد كُتّاب، بل مراقبون يقظون للحياة اليومية، للحكايات الصغيرة، وللأخطاء الكبيرة، يضعونها كلها في مِعْداد الدهشة والفكاهة الصادقة.
الكتابة الساخرة ليست ضحكًا على الناس، بل كشف لما يضيع منهم، وتحذير لما يُخفي عنهم القائمون على القرار. طمليه كان يرى في كل موقف يومي فرصة للعبارة الساحرة التي تكشف الطغيان أو البيروقراطية العبثية. يوسف غيشان كان يضع القارئ أمام صور من الواقع وكأنها مرآة ساخرة، يلتقط فيها المواطن لحظات ضعفه أمام التحديات. أحمد الزعبي، بخفة ظلّه وحنكته، يحوّل الأخبار الجافة إلى قصص تمسُّ كل بيت، بينما عبد الهادي راجي المجالي يمزج بين التحليل الدقيق والسخرية المرة، ليخرج القارئ من وهم العيش بلا سؤال.
هؤلاء الصحافيون يجمعون بين الملاحظة الدقيقة، والفكاهة الذكية، والجرأة في قول الحقيقة. ولعلّ الأهم أن الكتابة الساخرة تعتبر من الفنون الإبداعية الهادفة، وأكثرها تأثيرًا ووقعًا على القارئ؛ فهي ابتسامة على السطح، وخلفها ألم أو هدف واضح، تجعل من القارئ مشاركًا في الرسالة قبل أن يكون مستمتعًا بالمطالعة.
وفي زمن تتضخم فيه الأخبار الزائفة، وتتكاثر البيانات الجافة، يظل هؤلاء صُنّاع النبرة الساخرة، الذين يعرفون كيف يحوّلون كل موقف إلى درس، وكل خبطة في الحياة اليومية إلى رسالة إنسانية، تؤكد أن الصحافة الساخرة فنٌ لا يقل قيمة عن أي تحقيق استقصائي.
هؤلاء الأسماء الأربع ليست مجرد أسماء على الورق، بل رموز للوعي والملاحظة والجرأة والذكاء. وبفضلكم يا من تعلمنا منكم، يظل القارئ أكثر يقظة، والمجتمع أكثر قدرة على الضحك على نفسه قبل أن يُضحك عليه الآخرون.