جريمة "المخدرات" فشل جماعي يستدعي المواجهة
فيصل تايه
27-01-2026 10:49 AM
من المؤسف ان نصل اليوم الى أزمة تتجاوز بعدها الأخلاقي أو الأمني، لتصل إلى جوهر الاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال ، أزمة تكشف خللاً عميقاً في منظومة الحماية والرعاية والوقاية، وتفرض سؤالاً وطنياً لا يحتمل التأجيل : إلى أين نمضي إذا استمر هذا النزيف؟
ما نشهده اليوم ليس مجرد انحرافات فردية يمكن احتواؤها بالتجاهل أو المعالجة المؤقتة، بل هو خطر حقيقي يطرق أبواب البيوت بهدوء، ثم يقتحمها بعنف لا يترك خلفه سوى الخراب ، إنها آفة خطيرة تتغلغل في مجتمعنا، تهدد أمنه، وتستنزف طاقاته، وتفرض علينا الوقوف أمامها بوعي ومسؤولية قبل أن تحصد المزيد من الأرواح والأمل.
ما شهدناه مؤخراً من جريمة داخل الإطار الأسري، ارتكبها شخص فقد السيطرة على عقله تحت وطأة الإدمان، ليس حدثاً عابراً ولا صدمة ظرفية، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الإهمال والتراكم ، حين يصل شاب إلى مرحلة يرى فيها أقرب الناس إليه خصماً أو عدواً ، فإن المشكلة لم تعد في الفعل وحده، بل في الطريق الذي قاده إليه، وفي الفراغ الذي ترك لينمو داخله هذا الوحش الصامت.
الإدمان ليس قراراً لحظياً، ولا خطأً يمكن إصلاحه بالوعظ بعد فوات الأوان ، هو عملية تآكل بطيئة للوعي، تبدأ غالباً من فضول بريء، أو هروبٍ من ضغط نفسي، أو بحث عن انتماء، ثم تتحول إلى سجن داخلي يفقد الإنسان قدرته على التمييز، ويجرده من إنسانيته، ويجعله خطراً على نفسه وعلى محيطه ، وفي هذه المرحلة، لا يعود الحديث عن المسؤولية الفردية وحدها كافياً ، لأن المجتمع بأكمله يكون قد أخفق في الاكتشاف المبكر، وفي الاحتواء، وفي التدخل العلاجي قبل الانفجار.
الأخطر في هذه الآفة أنها لا تعمل في الفراغ ، هناك من يروج لها بوعي وإصرار، مستهدفاً فئة الشباب تحديداً، مستغلاً ضعف الرقابة أحياناً، والحاجة أحياناً أخرى، ومستثمراً في الألم الإنساني بلا أي وازع ، وفي المقابل، تترك أسر كثيرة وحيدة في مواجهة هذا الكابوس، تتخبط بين الخوف والعار، بين الصمت والإنكار، إلى أن تقع الكارثة، ويصبح الندم بلا جدوى.
لا شك أن الأجهزة الرسمية تبذل جهوداً واضحة في ملاحقة شبكات الترويج، وهذا مسار ضروري لا غنى عنه، لكن الاكتفاء بالحل الأمني يشبه محاولة إطفاء الحريق دون إغلاق مصدر الوقود ، فالمعركة مع المخدرات معركة وعي قبل أن تكون معركة قانون، ومعركة صحة نفسية واجتماعية قبل أن تكون ملفات وقضايا ، فلا يجوز أن يعامل المدمن دائماً كجاني فقط، ولا أن يترك بلا علاج حقيقي، ولا أن يعود إلى المجتمع دون تأهيل ومتابعة، وكأننا ننتظر تكرار المأساة بشكل أكثر قسوة.
إن غياب برامج التوعية العميقة، وضعف الإرشاد النفسي في المؤسسات التعليمية، وندرة مراكز العلاج والتأهيل الشاملة في بعض المناطق، كلها عوامل تسهم في اتساع الفجوة ، ومع كل فجوة جديدة، نخسر شاباً، أو أسرة، أو شعوراً بالأمان كان يجب أن يكون مصوناً ، وهذا الخطر لا يهدد الأفراد فقط، بل ينعكس على الأمن المجتمعي، وعلى الإنتاج، وعلى الثقة العامة، وعلى صورة المستقبل نفسه.
من هنا، فإن المطلوب اليوم ليس بيانات شجب موسمية، ولا موجات غضب عابرة، بل رؤية وطنية شاملة تتعامل مع المخدرات كقضية وجود لا كملف ثانوي ، رؤية تبدأ من الوقاية المبكرة، وتمنح الشباب بدائل حقيقية، ومساحات آمنة للتعبير، ودعماً نفسياً محترفاً، وتشدد في الوقت ذاته بلا تهاون على كل من يروج أو يتاجر بهذه السموم، باعتباره شريكاً مباشراً في تدمير المجتمع.
لقد أثبتت التجارب أن الصمت لا يحمي، وأن التأجيل لا يرحم، وأن ترك هذا الملف دون مواجهة جذرية يعني فتح الباب أمام مآس جديدة قد تكون أشد فداحة.
نحن اليوم أمام مفترق طرق حقيقي : إما أن نختار المواجهة الواعية والمسؤولة، أو نسمح لهذه الآفة بأن تواصل زحفها البطيء حتى تفقدنا ما لا يمكن تعويضه.
هذه ليست قضية أشخاص، ولا حوادث منفصلة، بل مرآة قاسية تعكس ما نفعله "أو ما لا نفعله" لحماية مجتمعنا ، والتاريخ لا يرحم المجتمعات التي ترى الخطر قادماً، ثم تختار أن تدير له ظهرها.
والله الموفق