facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




هل ما زالت نظرية حسن النية صالحة كأداة تنظيمية في القانون المدني؟


د.جلال الشورة
27-01-2026 03:37 PM

احتلّت نظرية حسن النية مكانة محورية في القانون المدني، لا بوصفها قاعدة تقنية محددة المعالم، بل باعتبارها مبدأً عامًا يُفترض أن يضبط سلوك المتعاقدين، ويوجّه تفسير الالتزامات، ويمنح النظام القانوني قدرًا من المرونة يحقق التوازن بين النص والعدالة. وقد بدت هذه النظرية، لعقود طويلة، وكأنها أداة تنظيمية كافية لمرافقة العلاقات القانونية في تطورها الطبيعي.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن قيمة حسن النية من حيث المبدأ، ولا عن أهميته الأخلاقية أو القانونية، بل عن مدى صلاحيته، بصيغته التقليدية، كأداة تنظيمية فعّالة في سياق قانوني واقتصادي تغيّرت فيه طبيعة العلاقات ذاتها.

لقد نشأت نظرية حسن النية في إطار يفترض وجود تفاعل إنساني مباشر، أو على الأقل قابل للتصوّر، بين أطراف العلاقة القانونية. فهي تقوم، في جوهرها، على تقييم سلوك إرادي يمكن نسبته إلى شخص قادر على الاختيار، وعلى إدراك نتائج تصرفه، وعلى تعديل سلوكه بما ينسجم مع مقتضيات النزاهة والإنصاف. بهذا المعنى، كان حسن النية معيارًا سلوكيًا قبل أن يكون أداة تفسيرية.

إلا أن هذا الافتراض يواجه اليوم تحديًا هادئًا لكنه عميق. ففي عدد متزايد من العلاقات القانونية المعاصرة، ولا سيما في المجالات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي والخدمات المؤتمتة، لم يعد السلوك القانوني ناتجًا عن قرار تفاوضي بالمعنى التقليدي، بل أصبح نتيجة الاندماج في أنظمة معيارية مُعدّة سلفًا، أو الخضوع لشروط تشغيلية لا تتيح مجالًا حقيقيًا للاختيار أو المراجعة. وفي مثل هذه العلاقات، يضيق المجال الذي يمكن فيه تقييم ́’حسن’́ أو ́’سوء’́ النية بمعايير سلوكية شخصية.

ومن هنا يبرز تساؤل مشروع: كيف يمكن لمبدأ يقوم على تقييم السلوك الإرادي أن يؤدي وظيفة تنظيمية كاملة في علاقات لم يعد السلوك فيها تعبيرًا مباشرًا عن إرادة تفاوضية حرة؟
هذا التساؤل لا يستهدف المبدأ ذاته، ولا ينال من مكانته، وإنما يختبر حدود فعاليته في سياق مختلف عن السياق الذي نشأ فيه.

إن الإقرار بوجود هذه الحدود لا يعني الدعوة إلى إقصاء حسن النية من المنظومة القانونية، بل على العكس، يهدف إلى حمايته من التوظيف المفرط أو غير الملائم. فالمبدأ الذي يُحمَّل أكثر مما يحتمل، أو يُستخدم خارج مجاله الطبيعي، قد يفقد تدريجيًا قدرته على تحقيق العدالة التي وُجد من أجلها.

وقد يكون من الأنسب، في هذا الإطار، إعادة النظر في وظيفة حسن النية بوصفه جزءًا من منظومة تنظيمية أوسع، لا الأداة الوحيدة لضبط العلاقات القانونية. فبعض العلاقات الحديثة قد تتطلب قواعد أكثر موضوعية وتحديدًا، تراعي طبيعتها التقنية أو المعيارية، دون أن يُنظر إلى ذلك بوصفه انتقاصًا من المبادئ العامة، بل تطويرًا لوظيفتها.

إن الحفاظ على حسن النية كقيمة قانونية راسخة لا يقتضي الإبقاء عليه بذات الدور الذي أُنيط به في سياق تاريخي مختلف. فالقانون الذي يسعى إلى الاستمرارية لا يحافظ على مفاهيمه بتجميدها، بل بإعادة موضعتها بما ينسجم مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية.

والسؤال، في النهاية، ليس ما إذا كان حسن النية مبدأً ضروريًا أو نبيلًا، فذلك أمر لا خلاف عليه، بل ما إذا كان لا يزال، بصيغته الحالية، قادرًا على أداء الدور التنظيمي الذي أُريد له، أم أنه بات بحاجة إلى إعادة تأطير تضمن فاعليته وعدالته في آن واحد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :