السعودية .. حين تدرك مخاطر السياسة الأمريكية في المنطقة
حسين بني هاني
27-01-2026 04:25 PM
الرياض محقّة تماماً ، ولديها بُعد نظرٍ كبير ، عشيّة بحثها اليوم ، عن تحالف يشدّ أزر دول الشرق الأوسط ، وعزمها بناء شبكة جديدة ، ذات ملامح إسلامية ، تشمل كلا من تركيا ومصر بعد الباكستان ، في ظل حالة إنعدام الوزن وعدم اليقين ، وتعاظم دور اسرائيل فيها ، بسبب سوء فهم ترامب ، لمعطيات الوضع القائم المُخلّ بالتوازنات في المنطقة ، ودعمه المطلق لسياسات اسرائيل فيها .
أحوال الشرق الأوسط اليوم لا تسرُّ أحداً ، ولم تعد مريحة لمعظم هذه العواصم ، بل زادت فيها المخاوف ، من إحتمال تنامي نفوذ إسرائيل على حساب مصالح دولها ، وإحتمال فرض رغبات الأخيرة وسلوكها غير المنضبط أيضا على الآخرين .
واضح أن الرياض المدركة جيداً لمخاطر توحّش إسرائيل ، وتغاضي واشنطن عن هذا التوحّش ، وبلوغ سلوكها المتطرّف ، بفضل دعم واشنطن ، مستويات غير مسبوقة ، هو الذي ساهم في دفع الرياض للتحرّك سريعا ، لبناء هذا النموذج من التحالفات لحماية المنطقة من جنون القوة ، في ظل عدم إكتراث واشنطن ، لما تقوم به إسرائيل فيها ، وبعد أن شاهدت العواصم الإسلامية القوية ، محاولات ترامب لتفكيك النظام العالمي ، بما فيه السائد في الشرق الأوسط ، ذاك أدخل القلق البالغ لديهم ، بعدما أصبح التكامل الاقتصادي والسياسي معها بنظرهم ، بوابة خطر بدل أن يكون فرصة وحكمة ، كما كان الحال عليه في السابق ، خاصة بعد أن رسّخت حليفتها إسرائيل ، عقيدة الحرب وإستخدام السلاح في كل مكان ، كوسيلة لتحقيق أهدافها ، وبعد أن حوّل ترامب العولمة ، من فرصة للازدهار إلى ثغرات أمنية ، تثير الذعر لدى الحلفاء ، وبات بموجبها زعيم واشنطن - وفق رئيسة أيرلندا السابقة ماري روبنسون - ذا طموحات حافلة بالأفكار الإمبريالية ، أفكار تُنتَهكُ بموجبها مبادئ التعايش السلميّ بين الدول ، هذا وحده لم يقلق الحليف السعودي وحسب ، وإنما حلفاء الولايات المتحدة في إسلام آباد وإسطنبول والقاهرة ، حتى جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة السابق ، دفعته مواقف البيت الأبيض هذه ، للتحذير من خسران الحلفاء في الشرق الأوسط ، وتآكل علاقات واشنطن العالمية الثمينة ، التي استغرق بناؤها بنظره سنوات عديدة.
أظن أن الرياض ، التي عُرِفَ عنها ، الهدوء والحصافة السياسية ، باتت مقتنعة اليوم في ضوء ما تقدم ، بأن حال سياسة ترامب في المنطقة ، أصبحت مثل حال مختار قرية قديمة ، كان يدّعي الحكمة والفطنة ، حين أشار على أهلها بعد أن عجزوا ، عن إخراج رأس الثور من الجرة التي كان بشرب منها ، بقطع رأس الثور بدل كسر الجرة الزهيدة الثمن ، ذاك هو حال المنطقة كما يراها العديد من المراقبين اليوم ، لمن أراد أن يفهم سياسة ترامب ، غير الحكيمة فيها.