الحرب التي لا نراها .. عندما تتحول الخوارزميات إلى صواريخ
المحامي أسامة البيطار
07-03-2026 10:27 AM
في القرن العشرين كانت الحروب تبدأ بإطلاق الرصاصة الأولى أما في القرن الحادي والعشرين فالحروب تبدأ غالبًا بسطرٍ من الكود.
الصاروخ الذي يسقط في ساحة المعركة اليوم لا يولد في قاعدة عسكرية، بل في مختبر، وفي خوارزمية، وفي براءة اختراع مسجلة في مكتب ملكية فكرية في مكان ما من العالم.
ببساطة .. الحرب تغيّرت.
ومن خلال متابعتي للنقاشات الدائرة في عدد من مراكز الدراسات الاستراتيجية والمؤسسات الدولية ذات الصلة خلال السنوات الأخيرة، أصبح واضحًا أن التحول في طبيعة الحروب يتجه بسرعة نحو التكنولوجيا والبيانات أكثر من الجيوش التقليدية.
فما نشهده في الشرق الأوسط اليوم لا يمكن قراءته فقط كصراع عسكري تقليدي بين دول، بل كجزء من مواجهة أوسع بين أنظمة تكنولوجية عالمية تتنافس على تحديد شكل القوة في القرن الحادي والعشرين ، فالحرب الحديثة لم تعد مجرد مواجهة بين جيوش، بل أصبحت شبكة معقدة من الأنظمة الرقمية ، أقمار صناعية توجه الصواريخ، خوارزميات تحدد مسارات الطائرات المسيّرة،أنظمة تشويش إلكتروني تعطل الرادارات، ومراكز تحليل بيانات تدرس كل ثانية من المعركة في الزمن الحقيقي.
بمعنى آخر ان الحرب الحديثة تبدأ في مختبرات التكنولوجيا قبل أن تصل إلى ساحات القتال.
وقد ظهر هذا التحول بوضوح في الحرب الأوكرانية، حيث لعبت الطائرات المسيّرة والأنظمة الرقمية دورًا غير مسبوق في تغيير طبيعة المواجهة العسكرية.
وفي هذا السياق يزداد الحديث في مراكز الدراسات عن دور الصين في إعادة تشكيل ميزان التكنولوجيا العسكرية في العالم.
فبكين لا تسعى فقط إلى تطوير جيش تقليدي قوي، بل إلى بناء منظومة تقنية متكاملة قادرة على منافسة الهيمنة التكنولوجية الغربية.
ومن أبرز أدوات هذه المنظومة نظام الملاحة الفضائي الصيني BeiDou، الذي يمثل بديلاً استراتيجياً لنظام GPS الأمريكي ففي عالم تعتمد فيه الصواريخ الذكية والطائرات المسيّرة على الأقمار الصناعية لتحديد المسارات بدقة، يصبح امتلاك نظام ملاحة مستقل عنصرًا حاسمًا في السيادة التقنية والعسكرية.
ولهذا تسعى الصين إلى توسيع استخدام منظومتها الفضائية عالميًا، وهو ما يفتح المجال أمام دول عديدة للاستفادة من بنية تقنية لا تخضع مباشرة للسيطرة الأمريكية.
وفي الوقت نفسه يتزايد التعاون التكنولوجي بين الصين وإيران في مجالات الاتصالات والأقمار الصناعية والأنظمة الرقمية.
ولا يتعلق هذا التعاون بالأسلحة التقليدية فقط، بل بتبادل الخبرات في مجالات مثل الحرب السيبرانية وتحليل البيانات العسكرية وتطوير أنظمة الاستشعار.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي العسكري أصبحت بيانات المعارك نفسها مورداً استراتيجياً.
فكل مواجهة عسكرية توفر كميات هائلة من المعلومات حول أداء الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية ، وهذه البيانات تُستخدم لاحقًا لتطوير خوارزميات أكثر دقة في التتبع والتشويش واتخاذ القرار.
لكن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في هذه المعادلة لا يتعلق بالسلاح نفسه، بل بالقانون الذي يحكمه فكل خوارزمية توجه صاروخًا، وكل نظام ملاحة يقود طائرة مسيّرة، وكل برنامج تشويش إلكتروني يعطل رادارًا…
هو في النهاية ابتكار محمي ببراءة اختراع.
وهنا يظهر الوجه غير المرئي للقوة في العالم المعاصر.
فالدول التي تملك التكنولوجيا لا تملك فقط السلاح…بل تملك القانون الذي يحكم استخدام هذا السلاح ، ولهذا أصبح القانون الدولي للملكية الفكرية جزءًا من معادلة القوة العالمية.
فبراءة اختراع واحدة في مجال الاتصالات أو الذكاء الاصطناعي قد تغير ميزان القوة بين دولتين.
وفي تقديري، نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع العالمي، مرحلة قد تصبح فيها الخوارزميات أكثر تأثيرًا من الصواريخ نفسها.
وفي خضم هذا التحول العالمي، يبرز سؤال مهم لدول مثل الأردن…
كيف يمكن لدولة محدودة الموارد أن تتعامل مع عالم تتحول فيه الخوارزميات إلى أسلحة؟
الجواب لم يعد في سباق التسلح التقليدي فقط، بل في سباق المعرفة والتكنولوجيا فالحروب الحديثة كشفت أن القوة لم تعد حكرًا على الدول الكبرى التي تمتلك جيوشًا ضخمة، بل أصبحت مرتبطة أيضًا بقدرة الدول على تطوير العقول القادرة على فهم التكنولوجيا وحمايتها ولهذا فإن فتح المجال أمام العلماء والمخترعين ورواد التكنولوجيا في مجالات الأمن السيبراني والابتكار الرقمي قد يصبح أحد أهم استثمارات الأمن الوطني في المستقبل.
ففي زمن تتحول فيه الخوارزميات إلى صواريخ، قد يصبح أخطر سلاح في أي دولة… هو عقل مبتكر يفكر في المستقبل.
* خبير الملكية الفكرية