facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عجز الميزان التجاري .. عرضٌ رقمي لمرضٍ هيكلي


د.غازي عبدالمجيد الرقيبات
27-01-2026 11:24 PM

في ظاهر الخبر أرقامٌ مصطفّة ببرودٍ محاسبي: 9.5 مليار دينار صادرات، مقابل 18.9 مليار دينار مستوردات خلال الـ 11 شهرا الأولى من العام الماضي 2025, مقارنة بالفترة ذاتها من العام 2024, "بحسب التقرير الشهري الذي تصدره دائرة الإحصاءات العامة حول التجارة الخارجية في الأردن" ، المشهد أعمق من مجرد فجوة بين رقمين؛ إنه حوار غير متكافئ بين ما نصنعه وما نرغب في امتلاكه، بين قدرة الأرض وحدود اليد، بين اقتصادٍ يحاول أن يُبدع واقتصادٍ يضطر أن يستهلك، الميزان التجاري الأردني يبدو ككفّةٍ تُثقلها الرغبات أكثر مما تسندها القدرات، فنحن لا نعاني من ضعف حركة، بل من اختلال اتجاه ، الصادرات تنمو، نعم، لكنها تنمو كغصنٍ يمدّه الربيع قليلًا، بينما جذور الاستيراد تضرب عميقًا في تربة الحياة اليومية: غذاء، طاقة، آلات، مركبات، تكنولوجيا، نحن لا نستورد كماليات بقدر ما نستورد شروط الحياة المعاصرة نفسها.

وهنا تتجلّى المعضلة البنيوية: أن الأردن يصدّر ما هو أقرب إلى مادة الطبيعة، ويستورد ما هو أقرب إلى عقل الحضارة، فالفوسفات والبوتاس والأسمدة موادّ صامتة، قيمتها كامنة في باطنها، لا في تعقيدها، أما ما نستورده فمحشوٌّ بالمعرفة: آلة تحمل تاريخًا من البحث، جهاز يختزن آلاف الساعات من التطوير، مركبة هي خلاصة قرنٍ من الهندسة، اذا نحن نبيع العنصر ونشتري الفكرة، نبيع الخام ونشتري التجسيد الصناعي للعلم.

من هنا يصبح العجز التجاري ليس فجوة مالية فحسب، بل فجوة معرفية متجسدة في حاويات الشحن، ولذلك، فإن أي تحسنٍ طارئ كارتفاع الصادرات في شهر، أو انخفاض فاتورة النفط في موسم يشبه هدوء الموج على سطح البحر، بينما التيار العميق ما يزال يسحب السفينة بعيدًا، التحسن الدوري لا يعالج الخلل البنيوي؛ إنه يجمّل الصورة دون أن يبدّل ملامحها، فالاقتصاد الأردني، في صورته الحالية، يشبه شجرةً تُثمر فعلًا، لكنها تستهلك ماءً يُنقل إليها من أنهار الآخرين، ليست المشكلة أن الشجرة عقيم، بل أن جذورها لم تُمنح بعد عمقًا صناعيًا ومعرفيًا يكفيها.

كيف نُعمّق الجذور؟
ليس الحل في أن نطلب من الشجرة أن تُثمر أكثر فقط، بل أن نغيّر طبيعة الثمرة نفسها، فحين نصدر الفوسفات، يمكننا أن نكون بائعين لمادة أولية، أو أن نكون صانعين لأسمدة متخصصة، أو مطوّرين لكيماويات دقيقة تدخل في صناعات عالمية، ان الفرق بين الحالات الثلاث ليس فرق وزنٍ في الشحنة، بل فرق ذكاءٍ مضاف داخل المنتج، فالقيمة الحقيقية لم تعد تُقاس بما في الأرض، بل بما في المختبر، وما في عقل المهندس، وما في براءة الاختراع، هذا هو التحول من اقتصاد المواد إلى اقتصاد التعقيد؛ من بيع ما نملك إلى بيع ما نعرف.

وفي الجهة المقابلة من الميزان، لا يكفي أن نصدر أكثر، بل يجب أن نستورد أقل بذكاء، ليس عبر الانغلاق، بل عبر بناء قدرة محلية تدريجية في سلع نملك مقومات إنتاجها: غذاء يمكن أن ينبت هنا، دواء يمكن أن يُصنّع هنا، مكونات صناعية يمكن أن تتكوّن في مصانعنا بدل أن تصل جاهزة عبر الموانئ، كل سلعة ننتجها محليًا ليست فقط وفرًا ماليًا، بل لبنة في استقلال القرار الاقتصادي، ثم هناك الكنز الذي لا يُحمَّل في السفن: صادرات الخدمات، العقل الأردني في البرمجة، والطب، والهندسة، والتعليم قادر على عبور الحدود دون جمارك، ودون كلفة شحن، ودون انتظار في الموانئ، فهذه صادرات لا تستهلك طاقة كثيفة، ولا مواد خام، لكنها تولّد قيمة مرتفعة وتغذّي الميزان التجاري بصمتٍ وذكاء، إنها تصدير الفكرة المجردة بدل تصدير المادة الثقيلة.

أما اتفاقيات التجارة التي تحيط بالأردن، فهي اليوم أشبه بطرقٍ سريعة تمرّ عبرنا أكثر مما تنطلق منا، فالتحدي ليس أن نفتح الأبواب أكثر، بل أن نملأ ما وراء الأبواب بمصانع قادرة على الإنتاج للتصدير وتشغيل الايدي العاملة، لا مجرد أسواق تستقبل السلع، حينها تصبح المناطق الصناعية منصات انطلاق نحو أوروبا وأمريكا والاقليم العربي، عندها يتحول الموقع الجغرافي من ميزة نظرية إلى طاقة إنتاجية فعلية.

في جوهر المسألة، العجز التجاري ليس رقمًا أحمر في جدول، بل مرآة تعكس سؤالًا أعمق:

هل نريد أن نكون اقتصادًا يبادل الطبيعة بالنقود، أم اقتصادًا يبادل المعرفة بالقيمة؟ فالفرق بين الحالتين هو الفرق بين دولة تبيع ما لديها اليوم، ودولة تبني ما تستطيع بيعه غدًا، وحين ننجح في رفع التعقيد داخل ما ننتج، وتقليل التبعية داخل ما نستهلك، سيبدأ الميزان التجاري بالتغيّر بهدوء، لن يحدث ذلك بقفزةٍ سحرية، بل بتحوّلٍ تراكمي، تتراكم فيه الخبرة كما تتراكم طبقات الصخر، حتى يصبح العجز مرحلة عابرة في سيرة اقتصادٍ تعلّم كيف يخلق قيمةً أكبر مما يبتلع، عندها فقط، لن تكون الصادرات أرقامًا في تقرير، بل دليلًا على أن الفكرة الأردنية صارت سلعة عالمية.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :