facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاقتصاد العربي وكلفة غياب التنسيق الإقليمي


د. حمد الكساسبة
28-01-2026 03:07 PM

لم تعد أزمات الشرق الأوسط قضايا داخلية بحتة تخص دوله وشعوبه، بل باتت ترتبط بترتيبات إقليمية ودولية تُحدَّد خارج حدود المنطقة.

فالقرارات المتعلقة بالأمن والطاقة والاقتصاد لم تعد تُصاغ من داخل العواصم العربية، بل تتأثر بتوازنات دولية أوسع، فيما تجد دول الإقليم نفسها في موقع التكيّف مع نتائج هذه القرارات أكثر من المشاركة في صنعها. هذا الواقع ينعكس مباشرة على مسارات التنمية والاستقرار الاقتصادي.

ويتماهى هذا الوضع مع نمط معروف في النظام الدولي، حيث تحتفظ الأقاليم المتماسكة بقدرتها على التأثير في القرار، بينما تصبح المناطق ضعيفة التنسيق أكثر عرضة للضغط الخارجي. وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن الأقاليم التي تمتلك أطرًا اقتصادية مشتركة تكون أقل هشاشة أمام الصدمات، وأكثر قدرة على حماية مصالحها وتحويل الأزمات إلى فرص.

في هذا السياق، تغيّر شكل التدخل الخارجي في المنطقة. فلم يعد يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل توسّع ليشمل أدوات اقتصادية ومالية أكثر تأثيرًا. العقوبات، والتحكم في مسارات التمويل، وربط الاستقرار الاقتصادي بشروط سياسية، أصبحت وسائل ضغط فعالة. ووفق بيانات صندوق النقد الدولي، فإن الاقتصادات الخاضعة لقيود مالية أو عدم يقين سياسي تشهد تراجعًا في الاستثمار طويل الأجل وتقلبات أعلى في النمو.

اقتصاديًا، انعكس هذا الواقع في هشاشة القرار المالي العربي. فالاعتماد الواسع على الدولار والأسواق الخارجية جعل عددًا من الاقتصادات العربية أكثر عرضة للصدمات العالمية. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن تشديد السياسة النقدية العالمية بين عامي 2022 و2024 رفع كلفة التمويل على الاقتصادات الناشئة بأكثر من نقطتين مئويتين في المتوسط، ما ضيّق هوامش الحركة المالية وأجّل أولويات التنمية.

ويرتبط هذا المشهد مباشرة بضعف البنية الداخلية في الإقليم. فغياب التنسيق الاقتصادي العربي، وتراجع العمل المشترك، وانخفاض التجارة العربية البينية إلى نحو 10–12% من إجمالي تجارة الدول العربية، وفق بيانات الإسكوا وصندوق النقد العربي، كلها عوامل عمّقت قابلية التأثر بالعوامل الخارجية. وفي المقابل، تُظهر تجارب الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا أن ارتفاع التجارة البينية إلى ما يزيد على 60% شكّل ركيزة أساسية لتعزيز الاستقلال النسبي في القرار الاقتصادي.

ويزداد هذا الضعف مع استمرار الاضطرابات في أكثر من ساحة عربية، من غزة والضفة الغربية إلى سوريا ولبنان والسودان والعراق. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الدول المتأثرة بالنزاعات تخسر سنويًا ما بين 2 و3 نقاط مئوية من نموها المحتمل، إضافة إلى ارتفاع كلفة الاقتراض بسبب المخاطر السياسية، وهو ما يستنزف الموارد العامة على حساب الاستثمار وفرص العمل، خصوصًا للشباب.

ولا تقتصر آثار هذا الواقع على السياسة، بل تترجم إلى كلفة اقتصادية ملموسة. فقدّرت لجنة الإسكوا الخسائر التراكمية للنزاعات والانقسامات العربية بأكثر من 900 مليار دولار خلال العقد الماضي، تشمل خسائر في الناتج وفرص العمل والاستثمار. هذه الكلفة لا تعبّر فقط عن أموال مفقودة، بل عن فرص تنموية ضاعت في لحظة كان العالم يعيد فيها ترتيب أولوياته الاقتصادية.

وخلاصة القول، إن أخطر ما يواجه الاقتصاد العربي اليوم ليس حجم التحديات الخارجية فقط، بل كلفة غياب التنسيق الداخلي. فالمنطقة لن تقلّل من اعتمادها على العوامل الخارجية ما لم تنتقل من إدارة الأزمات إلى بناء مصالح اقتصادية مشتركة، ومن ردّ الفعل إلى المبادرة. ففي نظام عالمي سريع التغيّر، لا تُقاس الخسارة بما فُقد فقط، بل بما لم يُنجز في الوقت المناسب.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :