تحليل الحساسية كأداة لإدارة الأزمات واتخاذ القرار
لانا ارناؤوط
29-01-2026 02:28 AM
في عالم اتخاذ القرار، لا تكمن الصعوبة في ندرة المعلومات بقدر ما تكمن في فهم ما تعنيه هذه المعلومات فعلًا، وما الذي يستحق الانتباه بينها، كثيرًا ما يقع صانع القرار في فخ التركيز على التفاصيل الظاهرة، بينما تتوارى المتغيرات الحاسمة خلف افتراضات غير مفحوصة هنا تبرز أهمية تحليل الحساسية كأداة فكرية قبل أن يكون أداة حسابية، لأنه يساعد على اختبار صلابة القرار، لا على تبريره.
تحليل الحساسية لا يبدأ بعد بناء النموذج، بل يرافق عملية التفكير منذ لحظاتها الأولى، فهو يطرح سؤالًا جوهريًا مفاده: هل نحن بصدد حل المشكلة الصحيحة أصلًا؟ هذا السؤال وحده كفيل بإعادة توجيه القرار بالكامل، لأن الخطأ في تعريف المشكلة أخطر من الخطأ في اختيار الحل قد يبدو التوسع في نشاط ما خطوة منطقية، لكن تحليل الحساسية يكشف أحيانًا أن التوسع ليس هو الخيار الوحيد، ولا حتى الخيار الأفضل، وأن البدائل غير المطروحة قد تكون أكثر انسجامًا مع أهداف القرار على المدى البعيد.
وحين ينتقل التحليل إلى بنية المشكلة، فإنه يختبر مدى اكتمال الصورة، ويبحث عمّا إذا كانت هناك أجزاء مفقودة في طريقة التفكير، أو أهداف متعددة لم يتم الاعتراف بها في هذه المرحلة، لا يتم التعامل مع جميع البدائل بوصفها متساوية في القيمة، بل يتم إخضاعها لمبدأ الهيمنة، حيث يتم استبعاد أي خيار لا يمكن أن يتفوق على غيره تحت أي ظرف معقول هذا التمحيص لا يختصر الجهد فحسب، بل يمنع إغراق القرار بتعقيد غير ضروري.
ومن خلال تتبع تأثير المتغيرات المختلفة على النتائج المحتملة، يتضح أن بعض العناصر تلعب دورًا محوريًا بينما يظل تأثير عناصر أخرى محدودًا تحليل الحساسية هنا يعمل كعدسة مكبرة تُظهر ما الذي يُحرّك القرار فعلًا، وما الذي يمكن اعتباره ضجيجًا تحليليًا هذا الإدراك يحرر صانع القرار من وهم التحكم الكامل، ويمنحه بدلًا من ذلك فهمًا واقعيًا لنقاط القوة والضعف في قراره.
وعندما يتم فحص كل متغير على حدة، تظهر حدود هذا النوع من التحليل، إذ إن الواقع لا يتغير بعامل واحد فقط، بل بتفاعل معقد بين عدة عوامل في الوقت ذاته من هنا تنشأ الحاجة إلى تحليل أكثر عمقًا يأخذ في الحسبان التغيرات المتزامنة، ويكشف المناطق التي قد ينقلب فيها القرار من كونه مجديًا إلى كونه خاسرًا هذا النوع من التحليل لا يقدّم إجابة جاهزة، لكنه يرسم خريطة ذهنية توضح أين تكون المخاطر، وأين تتسع مساحة الأمان.
وفي حالات الغموض العالي، يصبح الاعتراف بعدم اليقين جزءًا أساسيًا من التفكير الرشيد لا يعود الهدف عندها الوصول إلى نتيجة واحدة مؤكدة، بل فهم نطاق النتائج الممكنة، وكيف تتوزع احتمالاتها حين يتم التعامل مع القرار على هذا الأساس، يتحول من مقامرة غير محسوبة إلى اختيار واعٍ يدرك حدوده ويتعايش معها.
في جوهره، يعلّمنا تحليل الحساسية أن القرار الجيد ليس ذلك الذي يبدو صحيحًا تحت ظروف مثالية، بل ذاك الذي يظل متماسكًا حتى عندما تتغير الظروف وهو يذكّرنا بأن الحكمة في اتخاذ القرار لا تكمن في الدقة الرياضية وحدها، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة، والاعتراف بالافتراضات، وفهم ما الذي يصنع الفرق الحقيقي عندما نُجبر على الاختيار.