facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الجدوى من العقوبات البديلة دون ضبط التوقيف الاحتياطي


محمد نور الدباس
29-01-2026 02:37 AM

إن وجود عقوبات بديلة للعقوبات السالبة للحرية دون ضبط استخدام التوقيف هو إصلاح مبتور؛ لأن معظم الأضرار التي يُفترض أن تمنعها العقوبات البديلة تقع فعليًا قبل الحكم أثناء التوقيف، حيث يبرز التناقض بين فلسفة العقوبات البديلة المكرَّسة في التشريع الجزائي الأردني من جهة، وبين ممارسة التوقيف الاحتياطي منذ بداية الإجراء الجزائي من جهة أخرى، وذلك في ضوء أحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية والاجتهادات القضائية الصادرة عن محكمة التمييز الأردنية، فالغاية من العقوبات البديلة أنها وُجدت لتحقيق أهداف واضحة، منها تفادي وصمة السجن، وحماية الروابط الأسرية والاجتماعية، ومنع فقدان العمل والدخل، وتقليل الاكتظاظ في مراكز الإصلاح والتأهيل، ودعم إعادة الإدماج المجتمعي، حيث أن هذه الأهداف تفترض منطقًا بسيطًا في أن الحرمان من الحرية يجب أن يكون الملاذ الأخير.

ولتوضيح الفكرة نتعرض للإطار القانوني للتوقيف الاحتياطي في النظام القانوني الأردني، فينص قانون أصول المحاكمات الجزائية الأردني على أن التوقيف (الحبس الاحتياطي) هو تدبير احترازي استثنائي، ويجوز إصداره بعد استجواب المتهم وتوافر الأدلة التي تربطه بالفعل المسند إليه، وأن يكون ذا صلة بمصلحة التحقيق أو أمن المجتمع، كما يحدِّد القانون المدد الزمنية المسموح بها للتوقيف والتمديدات، والخلل يقع في (التوقيف لا الحكم)، ففي الواقع العملي، التوقيف هو القاعدة وليس الاستثناء، بحيث يُمارس التوقيف في مرحلة لم يثبت فيها الذنب.، وفي مرحلة يفترض فيها قرينة البراءة، وقد يستمر التوقيف أسابيع أو أشهر، ثم تنتهي القضية بـ عقوبة بديلة أو إسقاط أو براءة، وهنا تحدث المفارقة، فالمتهم يتعرض لكل أضرار السجن… ثم “يكافأ” بعقوبة بديلة بعد أن يكون الضرر قد وقع بالفعل.

ومن حيث الضمانات الإجرائية؛ فيجب استجواب المشتكى عليه في خلال 24 ساعة من وضعه في النظارة وإلا يعد الاحتجاز تعسفيًا، ويجب أن تتضمن مذكرة الاحتجاز و/أو التوقيف معلومات واضحة عن التهمة ونوع الجرم، وللتوقيف حدود زمنية قابلة للتمديد ووجب على المدعي العام عرض ملف القضية على المحكمة للتمديد، وهنا يبرز التناقض مع المعايير الدولية (العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية – قواعد طوكيو – قواعد نيلسون مانديلا) التي تؤكد أن التوقيف الاحتياطي استثناء استثنائي، وتؤكد أنهيجب استخدام بدائل له مثل الكفالة، والإقامة الجبرية، المنع من السفر، والمراقبة القضائية، لكن حين يُوسع التوقيف، ويُضيَّق في بدائله، فإن الدولة عمليًا تفرغ نظام العقوبات البديلة من مضمونه الحقوقي.

ونتعرض أيضاً لفلسفة العقوبات البديلة مقابل التوقيف الاحتياطي؛ فالعقوبات البديلة كالخدمة المجتمعية وغيرها، جاءت كجزء من سياسة جنائية إصلاحية تقلِّل من الاعتماد على السجن كعقوبة، لكن هذه السياسة تُفرغ من مضمونها إذا بقي التوقيف الاحتياطي ممارسة واسعة خلال مرحلة التحقيق، لأن المتهم يقضي وقتًا في مركز الإصلاح والتأهيل قبل أن يصدر الحكم، في كثير من الأحيان لعقوبة بديلة في النهاية، بمعنى أن الأضرار التي تقع في التوقيف ولا يعالجها الحكم، فالتوقيف يترتب عليه فقدان الوظيفة، وانهيار السمعة الاجتماعية، وتفكك أسري، وأذى نفسي، واحتكاك ببيئة إجرامية، وأحيانًا اعتداء على السلامة الجسدية، وهذه الأضرار لا يمحوها حكم بالعمل المجتمعي، أو غرامة، أو تدبير إصلاحي لاحق.

وهنا نتسآل ما الفائدة إذًا من هذه البدائل (العقوبات البديلة)، على الرغم من هذا الخلل، ونقول أنه تبقى للعقوبات البديلة فائدة ناقصة يمكن اجمالها في تخفيف الضغط على السجون، وفي تقليل مدة الحرمان من الحرية بعد الحكم، وإرسال رسالة تشريعية إيجابية (ولو غير مكتملة)، إلا أن هذه الفائدة هي فائدة إدارية أكثر منها حقوقية، ما لم يُعاد ضبط فلسفة التوقيف.

ونتعرض كذلك لاجتهادات محكمة التمييز ذات الصلة بالتوقيف، حيث أن لمحكمة التمييز أحكام تتعلق مباشرة ببدائل التوقيف في المرحلة التحقيقية، لكنها تؤكد وتكرّر الضوابط الجوهرية للتوقيف الاحتياطي (من حيث ضرورة التسبيب، ضرورة الأدلة، وعدم استخدام التوقيف كعقوبة قبل الحكم)، ورسخت عدد من الضوابط الجوهرية، حيث أكّدت في قرارات سابقة على أنه لا يجوز للتوقيف أن يتحوّل إلى عقوبة قبل الحكم النهائي، وأن التوقيف هو إجراء احترازي يُستخدم فقط عند توفر مبررات موضوعية قوية ولغايات حسن سير التحقيق.

في حكم سابق صادر عن محكمة التمييز (رقم 754/1997) ذُكر أن المادة 114 من قانون أصول المحاكمات الجزائية تُلزم توفر أدلة تربط المتهم بالفعل المسند إليه قبل إصدار أمر توقيف، و في قضايا تتعلق بالتوقيف غير القانوني (مثل التوقيف الإداري المطعون فيه أمام المحكمة)، أيدت محكمة التمييز أحكام إلزام التعويض عن توقيف غير قانوني طويل حيث اعتبرته تجاوزًا للسلطة الممنوحة للجهات الإدارية. مثال: قرار إلزام وزير الداخلية ومحافظ المفرق بالتعويض عن توقيف إداري غير قانوني دام سنوات، أكّد القضاء أن التوقيف كان خارج نطاق القانون وكان خطأ جسيمًا يستوجب التعويض، فهذا الحكم يسلّط الضوء على أن الحرية الشخصية أساس دستوري وقانوني، وأن التوقيف غير المشروع يُعد مسؤولية مدنية تستوجب التعويض، وفي هذا الإطار نذكّر أنه لا وجود لدعوى مخاصمة القضاة إلا حالات استثنائية.

كما ونشير إلى التحديات العملية للتوقيف مقابل العقوبات البديلة؛ مثل استمرار التوقيف لفترات طويلة، فدد التوقيف قد تصل لشهور وأكثر من ذلك في الجنايات، وهو ما يتجاوز أحيانًا الحاجة الفعلية للتحقيق، خاصة في القضايا التي قد يُحكم فيها بعقوبات بديلة مثل الغرامة أو الخدمة المجتمعية،ومثل التعارض مع فلسفة العقوبات البديلة، فإذا كان الهدف من العقوبات البديلة هو التقليل من آثار الحرمان من الحرية، فإن استمرار التوقيف الاحتياطي يُحدث تلك الأضرار قبل صدور الحكم، مما يطرح تساؤلاً قانونيًا يتلخص بلماذا يُحرم المتهم من حريته في مرحلة التحقيق بينما الحكم النهائي قد يكون بديلًا غير سالب للحرية؟ فالإصلاح الحقيقي والجاد لا يكون فقط بإضافة نصوص عن العقوبات البديلة، بل بتقييد سلطة التوقيف بنصوص صارمة، و جعل بدائل التوقيف هي الأصل، ومراقبة ومساءلة قرارات التوقيف غير المبررة، و ربط العقوبات البديلة بمنع التوقيف في الجنح البسيطة.

خلاصة القول إن القانون الأردني يُقرّ ضوابطًا صريحة للتوقيف الاحتياطي لكن التطبيق العملي يشهد اتساعًا في استخدام التوقيف حتى في قضايا قد تنتهي بعقوبات بديلة، ومحكمة التمييز أجازت الانتفاع بمبدأ التسبيب والأدلة في التوقيف، وألزمته بضمانات جوهرية، لكنها لم تُطبَّق دائمًا في الميدان العملي، فالتشريع صريح ويحدّ من التوقيف الاحتياطي في القضايا التي يُحتمل أن ينتهي الحكم فيها بعقوبة بديلة، ويلزم المدعي العام والمحكمة بـ تسبيب شامل ومحدد عند إصدار أو تمديد التوقيف، ويجب تطوير آليات رقابية قضائية على قرارات التوقيف لضمان عدم استخدامه بدلًا من العقوبات، والاجتهاد القانوني والتشريعي يبين أن العقوبات البديلة غير كافية ما لم تتم مقارنتها بضوابط التوقيف الاحتياطي، وأن هناك حاجة لإصلاح تشريعي وتطبيقاً قضائيًا يضمن تناسق السياسة الجنائية من أولى مراحل الإجراءات حتى صدور الحكم، ونختصر الإشكالية بجملة واحدة صادمة لكنها دقيقة بقولنا "لا معنى للعقوبات البديلة إذا كان التوقيف يمارس بذات منطق العقوبة".





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :