جدلية تحديث النظام الثانوي .. مقاربة استراتيجية متوازنة
فيصل تايه
29-01-2026 10:32 AM
لم تعد الثانوية العامة في الأردن مجرد محطة تعليمية عابرة في مسار الطالب، بل تحولت عبر السنوات إلى نقطة ارتكاز تحدد شكل مستقبله الأكاديمي والمهني والاجتماعي، وهي تعكس في الوقت ذاته فلسفة النظام التعليمي وقدرته على تحقيق العدالة والتوازن بين التقييم ، والتوجيه، وبناء الإنسان ، خاصة في ظل التغييرات الأخيرة في توزيع الحقول والمسارات الأكاديمية.
ومن هذا المنطق ، فإن أي تعديل يطرأ على بنية هذه المرحلة، سواء تعلق باحتساب العلامات، أو آليات اختيار الحقول، أو توزيع الفرص بين الطلبة، لا يمكن النظر إليه كإجراء إداري تقني، بل يجب التعامل معه كقرار وطني استراتيجي حساس تتقاطع عنده مصلحة الطالب، وهيبة المدرسة، ودور المعلم، ومتطلبات الدولة وسوق العمل.
إن جوهر الإشكالية التي أفرزها النظام الثانوي بصيغته الحالية لا يكمن في فكرة ربط المسار الأكاديمي بالأداء المدرسي بحد ذاتها، فهذه الفكرة ليست غريبة عن النظم التعليمية الحديثة، بل يكمن ذلك في طريقة الإخراج، وتوقيت التطبيق، وحدود العدالة بين الأجيال المختلفة ، خاصة للطلبة الذين لم يكن لديهم توقع مسبق لتطبيق هذه القواعد على علاماتهم السابقة.
على مدى سنوات طويلة، ترسخ في وعي الطالب والأسرة والمدرسة أن الامتحان الوزاري في الصف الثاني عشر هو الفيصل الوحيد في تقرير المصير الأكاديمي، وهو ما أضعف "موضوعياً" قيمة الصفوف السابقة، وحول المدرسة في أذهان كثير من الطلبة إلى مساحة روتينية لا تحظى بالجدية المطلوبة، مقابل تضخم دور المنصات التعليمية الخارجية، وتراجع الانضباط المدرسي، وغياب الحضور الصفي الفاعل.
من هذا المنطلق، لا يمكن إنكار أن إعادة الاعتبار للمدرسة، وللغرفة الصفية، وللمعلم، تمثل هدفاً تربوياً غائياً مشروعاً وضرورياً ، بل تأخر تحقيقه سنوات طويلة ، فالنظام الذي يجعل الطالب لا يشعر بثقل حقيقي لمساره التعليمي إلا في عامه الأخير، هو نظام يراكم الضعف المعرفي، ويؤجل التعلم الفعلي، ويخلق فجوة واضحة بين ما يفترض أن يتقنه الطالب في مراحل مبكرة، وما يطلب منه فجأة عند الوصول إلى التوجيهي ، غير أن سلامة الهدف لا تعني بالضرورة سلامة الأداة، ولا تعفي من مساءلة الكيفية التي يتم بها تحويل هذا الهدف إلى سياسة عامة تمس مئات الآلاف من الطلبة.
تبدأ الإشكالية الجوهرية عندما يتم ربط اختيار الحقول الدراسية بنسب محددة لا تتجاوز سقفاً معيناً، مع اعتماد المعدل المدرسي لصفوف سابقة لم يكن الطالب يعلم "وقت دراسته لها" أنها ستتحول لاحقاً إلى عنصر حاسم في تقرير مستقبله ، هنا ينتقل القرار إلى كونه عبئاً نفسياً وتربوياً، يضعف الثقة بين الطالب والنظام التعليمي ، فالعدالة التعليمية لا تقوم فقط على صحة الفكرة، بل على وضوحها المسبق، وعلى منح الطالب فرصة حقيقية للتخطيط الواعي لمساره، بدلاً من أن يفاجأ بقواعد جديدة بعد أن يكون قد اجتاز مراحل أساسية من رحلته الدراسية.
اعود الى القول ومن زاوية تطبيقية، يبرز التساؤل المهم حول توقيت القرار وأثره على طلاب الصف الحادي عشر، الذين يركزون منذ بداية العام على المواد الأساسية للامتحانات الوزارية، بينما تترك باقي المواد بأهمية أقل ، كما يثير القرار تساؤلات حول وحدة المعايير بين المدارس الحكومية والخاصة، والتباين بين التحصيل المدرسي والتحصيل في الامتحانات الوزارية، ما يضع الوزارة أمام تحد لضمان العدالة ومنح الطلاب فرصة التخطيط الفعّال لمسارهم التعليمي.
وتجدر الإشارة إلى أن المعايير الدولية في معظم الأنظمة التربوية المتقدمة تجعل اختيار المسارات والحقول الدراسية يتم عادة منذ الصف الأول الثانوي، أي قبل السنة الأخيرة للمرحلة الثانوية بسنة على الأقل، ما يمنح الطالب فرصة للتخطيط المبكر لمساره الأكاديمي وتنمية المهارات الأساسية المرتبطة بكل حقل ، بالمقابل ، يبدأ النظام الأردني الحالي عملياً في الصف الثاني الثانوي، بعد أن يكون الطالب قد أنهى الصف العاشر أو الحادي عشر، مما يزيد المفاجآت والضغط النفسي ويضاعف الشعور بعدم الاستقرار.
وتزداد الإشكالية تعقيداً عند النظر إلى أثر هذا النظام على توزيع الطلبة بين الحقول المختلفة، خصوصاً "الحقل الصحي" ، فحصر نسبة القبول، وربط الحقل الصحي بأصحاب المعدلات الأعلى، قد يبدو "منطقياً" من زاوية التنافس الأكاديمي، لكنه يثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل تخصصات حيوية مثل التمريض، والعلاج الطبيعي، والمختبرات الطبية ، فالتجربة الواقعية تشير إلى أن الطلبة الأعلى تحصيلاً يتجهون بطبيعتهم نحو تخصصات الطب وطب الأسنان والصيدلة، بينما تشكل التخصصات الصحية التطبيقية خياراً واعياً ومناسباً لشريحة واسعة من الطلبة ذوي التحصيل المتوسط الجيد، ممن يمتلكون ميولاً وقدرات عملية حقيقية ، وان إقصاء هذه الشريحة لا يخدم جودة المخرجات، ولا ينسجم مع احتياجات سوق العمل، ولا يحقق العدالة في توزيع الفرص.
وفي هذا الاطار ، تظهر بوضوح الفجوة بين نظام الحقول وآلية القبول الموحد ، فالتقييد الصارم لمسارات الطلبة داخل الحقول، دون مرونة أفقية مدروسة، يخلق اختناقات غير مبررة، يؤدي إلى تكدس أعداد كبيرة من الطلبة في مسارات محددة، بينما تبقى مسارات أخرى أقل جذباً رغم أهميتها الوطنية ، وهذا الخلل ليس وليد قرار واحد، بل هو نتاج تراكم سياسات جزئية لم تراجع ضمن رؤية شمولية واستراتيجية واضحة .
أما تطبيق النظام بأثر رجعي، من أكثر النقاط حساسية وخطورة ، ليس لأنه يرفض الإصلاح، بل لأنه يصطدم مباشرة بمبدأ الاستقرار التربوي ، فالطالب الذي أنهى الصف العاشر، أو جزءاً من الصف الحادي عشر، وفق قواعد معلنة، لا يمكن مطالبته بأثر رجعي بتحمل نتائج لم يكن على علم بها ، فهذا النوع من القرارات، مهما حسنت نواياه، يترك أثراً نفسياً عميقاً، ويقوض الإحساس بالعدالة، ويثير حالة من القلق العام لدى الطلبة والأسر، ويضع المدرسة والمعلم في مواجهة مباشرة مع الطالب، بدل أن يكونوا شركاء في دعمه وتوجيهه.
من زاوية تحليلية متوازنة، يجب الاعتراف بأن النظام الجديد يحمل في طياته نقاط قوة حقيقية، ما يستحق تقدير جهود وزارة التربية والتعليم في تحديث وتطوير السياسات التعليمية والتي من أبرزها إعادة الاعتبار للتعليم المدرسي، وتحفيز الطلبة على الجدية المبكرة، وربط المسار الأكاديمي بسلوك الطالب وانضباطه على مدى سنوات، لا في عام واحد فقط ، غير أن هذه الإيجابيات تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها إذا لم تصحب بضمانات واضحة ، وآليات انتقال عادلة بين الأجيال، ومعايير مرنة تراعي الفروق الفردية وواقع المدارس وإمكاناتها.
الحل، كما تشير التجارب التربوية الرصينة، لا يكمن في الإلغاء العشوائي ولا في التمسك الجامد بالقرار، بل في إعادة ضبط هندسة النظام ، ويمكن تحقيق ذلك عبر اعتماد حلول انتقالية عادلة للأجيال التي بدأت مسارها قبل صدور القرار، مثل الاعتماد الأكبر على الامتحانات الوزارية للصف الحادي عشر، أو المزج المدروس بين العلامات المدرسية والامتحانات الوطنية بنسب معلنة ومفهومة ، كما أن فتح مسارات أفقية مرنة بين الحقول، خصوصاً السماح لطلبة الحقول العلمية بدراسة التخصصات الأدبية دون العكس، يمكن أن يخفف الضغط ويعيد التوازن دون المساس بجودة المخرجات.
في المحصلة، يجب أن تنطلق محاولات إصلاح الثانوية العامة من رؤية وطنية شاملة ترى في الطالب مشروع إنسان، لا مجرد رقم في مفاضلة، بدلاً من أن تختزل في نسب، أو سقوف قبول، أو معادلات حسابية ، فنظام ثانوي ناجح هو الذي يعيد للمدرسة دورها الحقيقي، ويعزز مكانة المعلم، ويحمي الطالب من القرارات المفاجئة، ويحقق العدالة بين الأجيال، ويخدم احتياجات المجتمع والدولة على المدى البعيد ، فأي مقاربة تفتقر لهذا العمق ستبقى عرضة للجدل، مهما حسنت نواياها، بينما المقاربة المتوازنة وحدها قادرة على تحويل الجدل إلى فرصة إصلاح حقيقي ومستدام.
والله المستعان