سيدنا .. فخر وطن وراية عز
د. مثقال القرالة
30-01-2026 10:22 AM
في عيد ميلاد جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظة الله ورعاه، لا يمرّ الزمن كرقم ٍفي الذاكرة، بل يقف التاريخ احتراماً لقائدٍ لم تكن القيادة عنده امتيازاً، بل تكليفاً ثقيلاً حمله بوعي الدولة، وبصيرة الحكماء، ونبض الأب الذي يرى في شعبه عائلته الكبرى. إنه يوم تُضاء فيه معاني الوفاء، وتُستعاد فيه سيرة رجلٍ اختار أن يكون في الصفوف الأولى حين اشتدّت العواصف، لا خلف الجدران حين هدأ الغبار. فجلالة الملك عبدالله الثاني لم يُصنع في قصور السياسة وحدها، بل تشكّل في ميادين الخدمة، وتربّى على مدرسة الهاشميين التي توازن بين السيف والعدل، بين الحزم والرحمة، بين قوة الدولة وكرامة الإنسان.
حكمته ليست خطاباً إنشائياً، بل ممارسة يومية تُترجم في إدارة الأزمات، وقراءة المتغيرات، واتخاذ القرار الصعب في اللحظة الأصعب، دون تردد أو ارتباك. قلبه الحنون ليس شعاراً عاطفياً، بل حقيقة لمسها الأردنيون في تفاصيل الحياة؛ في حضوره بين أسر الشهداء، وفي دموعه الصادقة أمام جراح الوطن، وفي انحنائه احتراماً لكبار السن، وفي احتضانه للأطفال، وفي وقوفه مع الفقراء والمحتاجين، مؤمناً أن الملك الحقيقي هو من يكسب القلوب قبل أن يُصدر الأوامر. لقد صنع علاقة وجدانية بين القائد والشعب، علاقة تقوم على الثقة لا على الخوف، وعلى القرب لا على المسافات.
وعلى المستوى الوطني، قاد جلالته الوطن وسط إقليم مشتعل بالصراعات، ومحيط يعجّ بالاضطرابات، فحافظ على استقرار الدولة، وصان وحدة المجتمع، ورسّخ الأمن كقاعدة صلبة للبناء والتنمية. جعل من الأردن واحة توازن في منطقة تميل إلى الفوضى، ومنصة عقل في عالم يموج بالانفعالات، وصوت اعتدال يُحترم في المحافل الدولية. فإنجازاته لم تكن شعارات موسمية، بل مسارات استراتيجية طويلة النفس؛ من تحديث المنظومة السياسية وتعزيز المشاركة الشعبية، إلى تمكين الشباب وإطلاق الطاقات الوطنية، إلى دعم الاقتصاد الوطني وجذب الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، والتحول الرقمي، وبناء دولة مؤسسات تقوم على سيادة القانون والكفاءة لا على المزاجية والارتجال. أما القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، فقد جعلها نموذجاً في الاحتراف والجاهزية والانضباط، لأن الأمن في فلسفة الملك عبدالله الثاني ليس أداة قمع، بل مظلة حماية للوطن والمواطن.
وفي القضية الفلسطينية والقدس الشريف، بقي الملك عبدالله الثاني ثابتاً كجدارٍ من المبدأ، صلباً في الدفاع عن الوصاية الهاشمية، رافضاً التنازل، متمسكاً بالحق العربي والإسلامي، حاملاً أمانة التاريخ في زمن كثرت فيه المساومات وقلّ فيه الثبات. لقد أثبت أن الأردن ليس دولة هامشية في المعادلة، بل لاعب أخلاقي وسياسي يحفظ التوازن ويحمي المقدسات. اما الأجمل في شخصية الملك عبدالله الثاني أنه لم يسمح للسلطة أن تعزله عن الناس، ولم يسمح للبروتوكول أن يصنع جداراً بينه وبين الشارع الأردني. بقي قريباً، بسيطاً في حضوره، عميقاً في رسالته، واضحاً في انتمائه، مؤمناً أن الشرعية الحقيقية تُبنى في القلوب قبل أن تُكتب في الدساتير.
في عيد ميلاده، لا نرفع التهاني فقط، بل نرفع راية الوفاء لقائدٍ حمل الوطن في قلبه قبل أن يحمله على كتفيه، وسار به في أصعب الطرق دون أن ينحرف عن بوصلته الوطنية، ودون أن يساوم على كرامته وسيادته. هو ليس ملك مرحلة، بل قائد مشروع دولة، وصاحب رؤية وطن، ورمز استقرار في زمن الفوضى. حفظ الله جلالة الملك عبدالله الثاني، وأدامه سنداً للأردن، وذخراً لشعبه، وقائداً لمسيرة البناء والنهضة، وأطال في عمره ليبقى الوطن قوياً به، شامخاً بقيادته، ومطمئناً تحت رايته الهاشمية.