facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تُدار "وزارة الصحة" بعقل الدولة


فيصل تايه
31-01-2026 10:56 AM

في الدول التي تدار بعقل الدولة لا بعقل الظرف، لا يكون الإصلاح حدثاً عابراً ، ولا تقاس التجارب الحكومية بحدة الخطاب أو كثافة الظهور الإعلامي، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة، ولمس حياة الناس، واستعادة هيبة المؤسسة العامة بوصفها ملاذاً للمواطن لا عبئاً عليه .

ومن هذا المنطلق، فإن ما يشهده القطاع الصحي الأردني في المرحلة الأخيرة يستحق قراءة معمقة ومنصفة، قراءة تتجاوز الأشخاص من حيث المبدأ، لكنها لا تتجاهل دور القيادة حين يكون لها أثر واضح في توجيه المسار وضبط الاتجاه.

"القطاع الصحي" ليس قطاع خدمات فحسب، بل أحد أعمدة الأمن الوطني، ومكون أساسي من مكونات الاستقرار الاجتماعي، ومرآة حقيقية لعلاقة الدولة بمواطنيها ، فأي خلل فيه لا يبقى حبيس الجدران الإدارية، بل يتسلل سريعاً إلى شعور الناس، ويترك أثره في ثقتهم بالمؤسسات، وفي إحساسهم بالعدالة، والكرامة، والطمأنينة.

ومن باب الصراحة الضرورية، لا النقد المجاني، كان هذا القطاع خلال سنوات سابقة يعاني من حالة واضحة من الترهل الإداري وتراكم الإجراءات، انعكست بشكل مباشر على تجربة المواطن اليومية ، فقد باتت مراجعة المستشفيات والمراكز الصحية في أذهان كثيرين مرادفاً مقيتاً للتعقيد، وطول الانتظار، وضياع الوقت، وتعدد المسارات غير الواضحة، إلى حد دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى محاولة تجنب المراجعة قدر الإمكان، أو اللجوء إلى بدائل مكلفة تفوق قدرتهم، بحثاً عن اختصار الطريق وتخفيف العبء النفسي.

ولم تكن المواعيد الطبية الطويلة مجرد أرقام أو جداول مؤجلة، بل حالة توتر حقيقية، وانتظاراً مشحوناً بالقلق، واستنزافاً للأعصاب، في قطاع يفترض أن يكون عنواناً للطمأنينة لا مصدراً إضافياً للضغط ، اذ ان هذا الواقع لم يكن وليد تقصير فردي، بقدر ما كان نتيجة تراكم طويل، وغياب التنظيم، وتضخم الإجراءات، وتآكل ثقة المواطن بقدرة المنظومة على خدمته بكفاءة واحترام.

من هنا، تبرز أهمية التحولات التي بدأت تتشكل في "وزارة الصحة" خلال المرحلة الأخيرة، "وتحديداً" في عهد وزير الصحة الحالي الدكتور إبراهيم البدور وبدعم مباشر من اعلى المستويات ، والتي يمكن قراءتها بوصفها محاولة جادة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وضبط المسار، والانتقال من إدارة الإرباك إلى إدارة التنظيم، ومن منطق رد الفعل إلى منطق التخطيط ، وهي تحولات لم تطرح بوصفها وعوداً، بل بدأت بالظهور تدريجياً في تفاصيل العمل اليومي، وفي تجربة المواطن المباشرة مع المؤسسة الصحية.

وقد لمس المواطن فرقاً واضحاً في تنظيم الإجراءات، وفي مسارات المراجعة، وفي آليات حجز المواعيد والمتابعة، حيث لم تعد التجربة الصحية محكومة بالفوضى والتوتر كما في السابق، بل باتت أكثر وضوحاً وانضباطاً، بما يخفف العبء النفسي عن المريض قبل أن يبدأ العلاج ، وهذا التحول، في جوهره، ليس تفصيلاً إدارياً ، بل إعادة اعتبار لكرامة المواطن، واحترام لوقته، واستعادة تدريجية لعقد الثقة بين الدولة ومواطنيها.

وفي موازاة ذلك، جاء التركيز على تحديث البروتوكولات الطبية وتوحيدها ، خصوصاً في ملف الأمراض المزمنة وأمراض القلب وخاصة تطبيق إجراءات علاج الجلطات القلبية الحادة بالقسطرة في مستشفيات وزارة الصحة ، وذلك بهدف زيادة فرص إنقاذ الحياة وتقليل نسبة المضاعفات بما ينعكس ايجاباً على صحة المواطن وتحسين نوعية وجودة الحياة ، إضافة إلى توحيد بروتوكولات علاج جميع مرضى السرطان في كافة القطاعات الطبية ، بوصف ذلك خياراً استراتيجياً موحداً يعكس فهماً عميقاً لطبيعة التحديات الصحية المقبلة.

فالتوسع في التشخيص الوقتي المبكر ، واعتماد وسائل تصوير متقدمة، وتوحيد المعايير العلاجية، لم تكن خطوات تقنية معزولة، بل جزءاً من رؤية تهدف إلى تقليل الأخطاء الطبية، وتسريع التدخل، وخفض الكلف طويلة الأمد على الدولة والمواطن معاً ، كلها إجراءات حديثة تسعى الى مواكبة أحدث السبل العلاجية المعتمدة عالمياً لم تطبيق في دول العالم المتقدمة سوى بريطانيا.

أما التحول الرقمي، فقد جرى التعامل معه بوصفه أداة إصلاح حقيقية، لا عنواناً استهلاكياً، إذ أسهم في إعادة تنظيم العمل داخل المؤسسات الصحية، وضبط الإجراءات، وتعزيز المتابعة والمساءلة، والحد من التعقيد الذي طالما شكل أحد أبرز مصادر شكوى المواطنين ، كما أن تعزيز التنافس الإيجابي بين المستشفيات الحكومية، ورفع معايير الجودة، يمثل انتقالاً مهماً من ثقافة الاكتفاء بالحد الأدنى إلى ثقافة التحسين المستمر.

ولا يكتمل أي إصلاح دون التوقف عند العنصر البشري، حيث برز توجه واضح لإعادة الاعتبار للكوادر الطبية والإدارية، من خلال التدريب، وتحسين بيئة العمل والتحفيز ، والاعتماد على الكفاءة والخبرة في إدارة المرافق الصحية ، وبالتوازي، شهدت البنية التحتية الصحية خطوات تطوير وتوسعة، لا سيما في المحافظات، في محاولة لمعالجة اختلالات تاريخية في توزيع الخدمات، وتعزيز العدالة الصحية بين مختلف مناطق المملكة.

إن أهمية هذه التجربة لا تكمن فقط في تفاصيلها الإدارية أو الفنية، بل في دلالتها الوطنية الأوسع ، اذ أن الإصلاح ممكن حين تتوفر الرؤية والإرادة، وأن الإدارة العامة قادرة على تصويب المسار حين تدار بعقل مؤسسي، وأن الأردن لا يزال غنياً برجال دولة يدركون أن المنصب تكليف لا تشريف، ومسؤولية لا واجهة.

هذه ليست كتابة في التمجيد، ولا محاولة لتجميل الواقع، بل قراءة إنصاف لمسار إصلاحي بدأ يعيد للقطاع الصحي شيئاً من هيبته، ويخفف عن المواطن عبئاً طال أمده، ويبعث برسالة طمأنة بأن العمل الجاد، حين يمنح الفرصة، قادر على إحداث فرق حقيقي.

وإذا كانت الدول تقاس بقدرتها على تصويب مساراتها، فإن ما يجري اليوم في القطاع الصحي الأردني يؤكد أن الاتجاه الصحيح حين يمسك به أصحاب رؤية وإدارة واعية، يمكن أن يتحول إلى مسار دولة لا إلى حالة عابرة.

خلاصة القول : إن تجربة وزارة الصحة في عهد وزيرها الحالي الدكتور إبراهيم البدور تقدم نموذجاً لإدارة مسؤولة اختارت العمل الهادئ، والتنظيم، وبناء الثقة، بعيداً عن الضجيج، واضعة مصلحة المواطن في صلب القرار ، وهي تجربة لا تطلب لها الإشادة، بقدر ما تستحق التثبيت والدعم والبناء عليها، باعتبارها جزءاً من جهد وطني أشمل، يؤكد أن الأردن لا يزال قادراً على إنتاج إدارة عامة ناضجة، واعية، وخادمة للدولة والمواطن معاً .

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :