أوروبا بعد “أميركا أولًا”
سمير حمدان - بودابست
31-01-2026 04:51 PM
* من الشراكة الأطلسية إلى مشروع الاستقلال الاستراتيجي
مقدمة: لحظة الانفصال الهادئ
لم يكن التحول الأوروبي الأخير وليد أزمة عابرة، ولا ردّ فعل مؤقت على إدارة أميركية بعينها، بل خلاصة مسار سياسي واستراتيجي طويل بدأ يتبلور منذ أكثر من عقد، وبلغ ذروته مع عودة شعار “أميركا أولًا” إلى قلب القرار في واشنطن.
فهذا الشعار لم يكن مجرد خطاب انتخابي، بل عبّر عن رؤية جديدة للعلاقات الدولية تقوم على تقليص الالتزامات الخارجية، وإعادة تعريف التحالفات باعتبارها صفقات قابلة للمراجعة، لا شراكات دائمة محكومة بالتاريخ أو القيم المشتركة.
في هذا السياق، بدأت العواصم الأوروبية تدرك أن التحالف الأطلسي لم يعد قائمًا على مفهوم الشريك المتكافئ، بل على معادلة مصلحة متغيرة، يمكن أن تنقلب في أي لحظة إذا تعارضت مع الأولويات الأميركية.
وهنا عاد إلى الواجهة سؤال طال تأجيله منذ نهاية الحرب العالمية الثانية:
هل يمكن لقارة بحجم أوروبا أن تبقى من دون سيادة استراتيجية حقيقية؟
الإجابة لم تأتِ عبر القطيعة مع الولايات المتحدة، بل من خلال مسار أكثر هدوءًا وعمقًا: بناء بدائل تقلّص التبعية، وتمنح القرار الأوروبي هامشًا مستقلًا في عالم يتجه بسرعة نحو منطق القوة لا منطق التحالفات الثابتة.
⸻
أولًا: ولادة جيش الدفاع الأوروبي
أكبر تحوّل استراتيجي شهدته أوروبا تمثّل في الانتقال من مجرد التنسيق الدفاعي إلى التأسيس المؤسسي العسكري.
فللمرة الأولى في تاريخ الاتحاد الأوروبي، جرى استحداث منصب جديد هو:
مفوض الدفاع الأوروبي (European Defence Commissioner)
وهو منصب ظلّ لعقود من المحرّمات السياسية، بفعل الحساسية التاريخية المرتبطة بفكرة الجيش الأوروبي الموحد.
يعكس هذا التطور إدراكًا أوروبيًا متأخرًا بأن الأمن لا يمكن إدارته عبر لجان تقنية أو توافقات ظرفية، بل يحتاج إلى مركز قرار واضح وهيكل دائم.
وتتمثل مهامه الأساسية في:
• صياغة عقيدة دفاعية أوروبية مستقلة.
• تنسيق الصناعات العسكرية داخل الاتحاد.
• الإشراف على برامج التسلح المشترك.
• تقليص الاعتماد العملياتي على حلف الناتو.
لم يعد الحديث يدور حول قوات رمزية أو بعثات حفظ سلام، بل عن نواة جيش أوروبي موحد قادر على الانتشار والردع والدفاع عن المصالح الأوروبية دون انتظار الضوء الأخضر من واشنطن.
⸻
ثانيًا: دمج الجيوش الأوروبية والتكامل العسكري
أدركت أوروبا أن امتلاك جيوش وطنية قوية لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة ردع جماعية حقيقية.
ومن هنا أُطلقت خطة شاملة للتكامل العسكري الأوروبي، تهدف إلى تحويل الجيوش المنفصلة إلى منظومة عمليات واحدة.
وتقوم هذه الخطة على عدة محاور رئيسية:
• دمج أنظمة القيادة والسيطرة.
• توحيد بروتوكولات العمليات العسكرية.
• تنسيق التدريب وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
• توحيد جزئي لأنظمة التسليح والدعم اللوجستي.
وفي خطوة غير مسبوقة، خصص الاتحاد الأوروبي نحو 18 مليار دولار لتمويل مشروع بالغ الحساسية يتمثل في:
نقل وتحريك الجيوش بين الدول الأوروبية بسرعة قتالية موحدة.
وهو اعتراف صريح بأن البنية التحتية الأوروبية صُممت لعقود لخدمة الاقتصاد والسوق الموحدة، لا لإدارة الأزمات العسكرية.
لم يعد الهدف الدفاع عن حدود دولة بعينها، بل امتلاك القدرة على التحرك كقوة واحدة في أي نقطة تهديد داخل الفضاء الأوروبي.
⸻
ثالثًا: أمن الطاقة… من التبعية إلى التنويع القسري
شكّلت حرب أوكرانيا صدمة استراتيجية لأوروبا، ليس على المستوى العسكري فحسب، بل في ملف الطاقة تحديدًا.
فالاعتماد الواسع على الغاز الروسي، الذي كان يُنظر إليه سابقًا كخيار اقتصادي عقلاني، تحوّل فجأة إلى نقطة ضعف جيوسياسية خطيرة.
وجاء الرد الأوروبي سريعًا، وإن كان مكلفًا:
1. انفصال شبه كامل عن الغاز الروسي خلال فترة زمنية قصيرة.
2. انتقال مؤقت إلى الغاز الأميركي المسال رغم ارتفاع كلفته.
3. إطلاق خطة طويلة الأمد لتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وفي مقدمتها:
• طاقة الرياح
• الطاقة الشمسية
• الهيدروجين الأخضر
لم يعد المعيار هو السعر الأرخص، بل الاستقلال الاستراتيجي.
فالدرس كان واضحًا:
الطاقة لم تعد ملفًا اقتصاديًا فحسب، بل أصبحت أحد أعمدة السيادة الوطنية.
⸻
رابعًا: شركاء تجاريون خارج المظلة الأميركية
التوترات التجارية مع واشنطن، وعودة الرسوم الجمركية كأداة ضغط سياسي، دفعت بروكسل إلى إعادة رسم خريطة علاقاتها الاقتصادية العالمية.
وأطلق الاتحاد الأوروبي استراتيجية تنويع واسعة شملت:
• اتفاقيات تجارية كبرى مع دول أميركا اللاتينية.
• توسيع الشراكة مع الهند بوصفها قوة صناعية صاعدة.
• تعزيز الحضور الاقتصادي في آسيا وإفريقيا.
الهدف كان واضحًا منذ البداية:
تقليص قدرة الولايات المتحدة على استخدام التجارة كسلاح سياسي.
لم يعد مقبولًا أوروبيًا أن تخضع سلاسل التوريد، أو القرارات الصناعية، أو مستقبل القطاعات الاستراتيجية لتقلبات السياسة الأميركية الداخلية.
⸻
خامسًا: التفاوض المباشر مع الخصوم… دون وسيط أميركي
أحد أكثر التحولات حساسية يتمثل في المقاربة الأوروبية الجديدة تجاه روسيا.
فخلال حرب أوكرانيا، تحمّلت أوروبا العبء المالي الأكبر للدعم العسكري والاقتصادي، بينما احتفظت واشنطن بهامش واسع لعقد تفاهمات تخدم مصالحها الاستراتيجية الخاصة.
اليوم، بدأ داخل أوروبا نقاش غير مسبوق:
هل من المنطقي أن تموّل أوروبا الحرب، بينما تُدار التسويات من خارجها؟
من هنا برز الحديث عن:
• فتح قنوات حوار أوروبية مباشرة مع موسكو.
• بلورة تصور أوروبي مستقل للأمن في القارة.
• تقليص الاعتماد الكامل على الوساطة الأميركية.
ليس بدافع التقارب مع روسيا، بل بدافع امتلاك القرار النهائي بشأن أمن أوروبا نفسها.
⸻
خلاصة: أوروبا لا تنفصل عن أميركا… لكنها لم تعد تعتمد عليها
ما يجري اليوم لا يشبه طلاقًا أطلسيًا، بل يمثل إعادة توازن تاريخية.
أوروبا لا تسعى إلى مواجهة الولايات المتحدة، لكنها لم تعد تقبل أن تكون:
• ممولًا بلا قرار،
• أو شريكًا بلا سيادة،
• أو تابعًا استراتيجيًا في نظام عالمي متحوّل.
إن مشروع الاستقلال الأوروبي ليس ردّ فعل على إدارة بعينها، بل استجابة لبنية عالم جديد يقوم على تعدد مراكز القوة، لا على الهيمنة الأحادية.
وفي هذا العالم، أدرك الأوروبيون حقيقة طال تجاهلها:
من لا يملك جيشه، وطاقته، وتجارته… لا يملك قراره.