الحرب والإشاعة… حين تُطلق الرصاصة من فمٍ لا من بندقية
محمد مطلب المجالي
18-03-2026 11:43 AM
في زمنٍ تتداخل فيه الجبهات، لم تعد الحرب تُخاض بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة أخطر من الرصاصة، والإشاعة أشد فتكًا من القذيفة. فكم من معركةٍ حُسمت قبل أن تبدأ، لا لأن جيشًا انتصر، بل لأن معنويات خصمه انهارت تحت وطأة حرب نفسية مدروسة، تتقن العبث بالعقول قبل الأجساد.
الإشاعة ليست حدثًا عابرًا، ولا زلة لسانٍ عفوية، بل هي في كثير من الأحيان أداة ممنهجة تُصاغ بعناية، وتُطلق في التوقيت الأكثر حساسية، لتصيب الهدف بدقة. إنها سلاح غير مرئي، يتسلل إلى البيوت عبر الشاشات، وإلى القلوب عبر القلق، فيزرع الشك، ويضخم الخوف، ويخلق حالة من الارتباك الجماعي الذي قد يعادل في أثره دمارًا ماديًا واسعًا.
في ساحات القتال، تُستخدم الإشاعة لإرباك الجنود، وإضعاف ثقتهم بقياداتهم، وبث الشعور بأن الهزيمة باتت وشيكة، حتى وإن كانت الوقائع على الأرض تُخالف ذلك. أما في الجبهة الداخلية، فهي تستهدف المواطن، لتقويض صموده، وزعزعة ثقته بمؤسسات دولته، ودفعه نحو اليأس أو الفوضى. وهنا تكمن الخطورة، حين يتحول المجتمع نفسه إلى ناقلٍ للإشاعة، دون وعيٍ أو تحقق، فيُسهم – عن غير قصد – في تعميق الجرح الذي يُراد له أن يتسع.
الدوافع وراء هذه الحرب النفسية متعددة؛ فبعضها يسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية دون إطلاق رصاصة، وبعضها يهدف إلى كسر الإرادة الوطنية، أو تشويه صورة الخصم أمام العالم، أو حتى صرف الأنظار عن إخفاقات داخلية. وفي كل الحالات، تبقى الحقيقة هي الضحية الأولى، وتصبح الوقائع رهينة التأويل والتضليل.
وما يزيد الأمر تعقيدًا، هو سرعة انتشار الإشاعة في عصر الإعلام الرقمي، حيث لم يعد هناك حارسٌ للبوابة، ولا زمنٌ للتحقق، بل سباقٌ محموم نحو النشر، ولو على حساب الدقة. وهنا، تتحول وسائل التواصل الاجتماعي من منصات للتواصل إلى ساحات مفتوحة لحروب نفسية لا تُرى، لكنها تُحس وتُعاش بكل تفاصيلها.
غير أن أخطر ما في الإشاعة، ليس في مضمونها فقط، بل في استعداد الناس لتصديقها. فحين يغيب الوعي، وتضعف الثقة، وتشتد الأزمات، تصبح النفوس أرضًا خصبة لكل خبرٍ مشبوه، وكل روايةٍ مغلوطة. وهنا، تتحقق غاية من يطلق الإشاعة: أن يشكك الناس بكل شيء، حتى بالحقيقة ذاتها.
إن مواجهة هذه الحرب لا تكون بالصمت، ولا بالإنكار، بل بالوعي أولًا، وبالإعلام المسؤول ثانيًا، وبالشفافية ثالثًا. فالمعلومة الدقيقة في وقتها، هي أقوى سلاح في وجه الإشاعة، والثقة بين المواطن ومؤسساته هي الحصن الذي لا يُكسر.
وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال الأهم: هل ندرك أننا – حين نُعيد نشر إشاعة دون تحقق – قد نكون جزءًا من معركةٍ لا نراها، لكننا نخسر فيها الكثير؟
إن الحرب النفسية لن تتوقف، ما دامت العقول قابلة للاختراق، وما دامت الكلمة تُستخدم سلاحًا بلا ضوابط. لكن الوعي الجمعي، حين ينهض، قادر على إبطال مفعول أخطر الإشاعات، وإعادة الاعتبار للحقيقة… تلك التي، مهما تأخرت، لا تموت.