حزب العمل الإسلامي .. تمسك عنيد بلافتة وقراءة انتقائية للدستور
أ.د. خلف الطاهات
01-02-2026 12:08 PM
يصرّ حزب جبهة العمل الإسلامي على أن يحوّل ملاحظة قانونية بسيطة حول اسمه إلى معركة كسر عظم مع الدولة، واختبار مستفز لهيبة القانون وصدقية مشروع الإصلاح برمّته. بدل أن يكون في مقدمة من يلتزم بروح القانون ونصه، قرّر الحزب أن يتمسك بلافتته الدينية وكأنها مسألة حياة أو موت، أو كأن وجوده السياسي لا معنى له من دون كلمة «الإسلامي» في العنوان.
المادة (5) من قانون الأحزاب تقول بوضوح إن الحزب يُنشأ على أساس المواطنة والمساواة بين الأردنيين، وإنه لا يجوز أن يُقام على أساس ديني، أو طائفي أو عِرقي أو جهوي. القانون هنا لا يطعن في الدين، ولا ينازع أحدًا إيمانه، بل يحاول أن يحمي السياسة من لعبة الاحتكار باسم الدين، ومن تحويل أي خلاف سياسي إلى «امتحان عقيدة» واتهام في الإيمان والهوية.
الطريف أن التجربة الأردنية نفسها قدّمت نماذج لأحزاب ذات مرجعية إسلامية احترمت القانون ولم تدّع المظلومية؛ عدلت أسماءها، أو اندمجت في أطر جديدة متصالحة مع شروط الحياة الحزبية. هذا وحده يكفي لنسف رواية «الاستهداف» التي يروج لها الحزب كلما ضُبط متلبسا بمخالفة أو تجاوز. المعيار واحد، والباب مفتوح للجميع، لكن جبهة العمل الإسلامي تظهر وكأنها تريد أن تربح كل شيء: شرعية قانونية كاملة، وامتياز رمزي باحتكار الاسم الديني في المشهد الحزبي، فوق رؤوس الجميع.
في دفاعه عن نفسه، يقول الحزب إن اسم «جبهة العمل الإسلامي» لا يتعارض مع الدستور الذي ينص على أن دين الدولة الإسلام، وإن التسمية تعبر عن هوية المجتمع وثقافته العربية الإسلامية، وإن التشدد في هذه النقطة يعرقل التحديث السياسي ويضرب التعددية الحزبية.
الخلل هنا ليس في الدستور، بل في الطريقة الانتهازية التي يقرأ بها الحزب النصوص؛ فهو يخلط عمدا بين هوية الدولة والمجتمع من جهة، وبين طبيعة التنظيم الحزبي من جهة أخرى. كون دين الدولة الإسلام لا يعني بأي منطق أن يُمنح حزب بعينه امتياز حمل الاسم الديني في عنوانه، وكأن بقية الأحزاب أقل إسلاما، أو أقل انتماء للهوية العربية الإسلامية، أو بحاجة إلى شهادة «حسن سيرة إيمانية» من جبهة العمل.
القانون جاء ليقول بوضوح ان الأحزاب تُبنى على المواطنة، لا على الإيمان؛ على البرامج، لا على العلامة التجارية الدينية. لكن الحزب يرفض هذا المنطق، لأن الاعتراف به يعني ببساطة نهاية أهم «أصل» يملكه وهو استثمار الدين كرأسمال سياسي.
إصرار جبهة العمل الإسلامي على التسمية الدينية ليس تفصيلا شكليا في الورق؛ إنه جوهر اللعبة. فالحزب لا يقدّم نفسه كتنظيم سياسي ينافس ببرامج اقتصادية واجتماعية، بل كـ«جبهة إسلامية» تُرسل ضمنيًا رسالة واضحة: من معنا أقرب إلى الدين، ومن يعارضنا يبتعد عنه.
هكذا يتحوّل الدين من منظومة قيم مشتركة بين الأردنيين جميعًا إلى أداة فرز سياسي وأخلاقي، وإلى وسيلة للضغط على وعي الناس، وهنا التصويت للحزب لا يعود تصويتا لبرنامج قابل للنقد والمحاسبة، بل يبدو في لاوعي جزء من الجمهور أقرب إلى «تصويت للإسلام» في مواجهة «الآخرين».
وهنا شتّان بين حزب أو حركة تمارس العمل الدعوي والإرشاد والنصح في إطار جمعيات ومؤسسات دينية مفتوحة لكل الناس، وبين حزب ينافس على السلطة، يفاوض على قوانين وميزانيات، ويعقد تحالفات، ويتعامل مع صراعات إقليمية ودولية، ثم يصرّ على أن يضع فوق كل هذا لافتة «إسلامية» يحتمي بها من النقد، ويشوّه بها خصومه ضمنيا باعتبارهم أقل التزاما بالمقدّس.
المفارقة أن الخطاب الرسمي في الأردن، قديما وحديثا، يقوم على فكرة واضحة وراسخه وهي ان الدولة هي الضامن العام لحرية الدين، ولا جهة لها الحق في ادّعاء احتكار حماية الإسلام أو تمثيله. ومع ذلك، يتصرف الحزب وكأن بقاء كلمة «الإسلامي» في اسمه مسألة تتعلق بمصير الدين نفسه لا بمصير امتياز سياسي اعتاد عليه لعقود.
حزب جبهة العمل الإسلامي، بحجمه وتأثيره وتاريخه المعارض، كان من المفترض أن يكون أول من يعطي المثال على حزب وطني المرجعية، مدنيّ التسمية، إسلاميّ القيم إن شاء، لكن بلا احتكار للاسم الديني ولا ادّعاء بأنه الممثل الشرعي الوحيد للإسلام في السياسة. لكن ما نراه اليوم هو العكس تمامًا: تمسّك عنيد بلافتة، وقراءة انتقائية للدستور، ومماطلة في تطبيق قانون طُبِّق على غيره من دون ضجيج.