facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




المجتمع المدني بين يدي الدولة .. من المساندة إلى صناعة التنمية


د. هيفاء ابوغزالة
01-02-2026 03:24 PM

في زمن تتسارع فيه التحولات وتزداد فيه التحديات، لم يعد ممكناً النظر إلى المجتمع المدني بوصفه عبئًا إداريًا أو بندًا إضافيًا على ميزانية الدولة، ولا ككيان موسمي يقدّم العون عند الحاجة ثم يختفي. لقد دخل المجتمع المدني في الأردن مرحلة جديدة، مرحلة يجري فيها الانتقال من فكرة العطاء الخيري إلى مفهوم الشراكة التنموية، ومن دور المساندة إلى دور المشاركة الفعلية في صياغة مستقبل البلاد.

العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني يجب أن تقوم اليوم على قاعدة مختلفة تمامًا: قاعدة التكامل. فالمؤسسات المدنية تمتلك القدرة على الوصول العميق إلى الناس، وعلى قراءة التفاصيل التي لا تصلها السياسات المركزية، وعلى ابتكار حلول مرنة وسريعة وملائمة للواقع. والدولة، بدورها، تمتلك الأدوات التشريعية والتنفيذية والقدرة على وضع السياسات العامة. وحين يتقاطع هذان المساران، يتولد نموذج فاعل يرفع من كفاءة القرار العام ويعزز التنمية ويقود إلى نتائج أوسع وأعمق.

إن تحويل المجتمع المدني إلى شريك أساسي يبدأ ببناء علاقة قائمة على الثقة، ثقة تؤطّرها رقابة مدروسة لا تهدف إلى التضييق، بل إلى ترسيخ المهنية والشفافية والحوكمة السليمة. رقابة تُمارَس بروح الدعم لا بمنطق الشك، وتفتح الأبواب أمام المؤسسات المدنية لتثبت كفاءتها وقدرتها على أن تكون قوة فاعلة في المجتمع، لا مجرد متلقٍ للتمويل أو التعليمات.

ويكتمل هذا الإطار عبر بيئة تشريعية مرنة وواضحة تزيل التعقيدات غير الضرورية، وتمنح المنظمات مساحة للعمل بدل أن تستهلك طاقتها في الإجراءات. فالمؤسسة التي تتحرر من البيروقراطية الثقيلة تتحول إلى مساحة إنتاج وإبداع، وتصبح قادرة على بناء برامج تنموية طويلة الأمد تستجيب لاحتياجات الناس وتدعم خطط الدولة.

الشراكات الاستراتيجية بين المجتمع المدني والقطاع الخاص والدولة تمنح هذه المنظمات قوة إضافية، وتحوّل المبادرات الفردية إلى مشاريع مستدامة تُحدث أثرًا حقيقيًا في التعليم والصحة والتمكين الاقتصادي والعمل الاجتماعي. وعندما تُربط هذه الشراكات بمعايير واضحة للنتائج، يتحول كل دينار يُستثمر في المجتمع المدني إلى قيمة مضافة، وكل مشروع إلى خطوة في مسار التنمية الوطنية.

المشهد المدني الأردني قادر اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على أن يصنع قصته بنفسه، وأن يتحول إلى ذراع وطنية تعتمد عليها الدولة في مواجهة تحديات المستقبل. وما تحتاجه الدولة هو أن تمنحه الإطار الذي يستحقه: ثقة تُبنى، رقابة تُرشَّد، تشريعات تُيسر، وتمويل يُوجَّه نحو الأثر لا الشكل.

عند هذه النقطة فقط تصبح العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني علاقة شراكة حقيقية، علاقة تحوّل المؤسسات المدنية إلى رافعة تنمية لا إلى عبء، وإلى قوة دافعة لا إلى حلقة إدارية إضافية. إنها علاقة تصنع مستقبلًا أكثر توازنًا، وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر انسجامًا مع روح وطن يؤمن بأن تنميته هي مسؤولية مشتركة يصنعها الجميع… معًا

في خاتمة هذا المشهد، يتضح أن العلاقة بين الدولة . فالمجتمع المدني ليست خيارًا تنظيميًا أو ترتيبًا إداريًا، بل هي معادلة وطنية جوهرية لصناعة المستقبل. فحين تُفتح مساحات الثقة، وتتأسس الرقابة على المهنية لا على الشك، وتُمنح المنظمات الأهلية البيئة التي تليق بطموحها، يتحول المجتمع المدني إلى قوة نهضة حقيقية لا يمكن الاستغناء عنها. وهكذا تصبح التنمية مشروعًا مشتركًا تُكتب فصوله بتعاون الجميع، وتتحول مشاركة المواطنين من هامش مكمل إلى ركن أصيل في بناء أردن قوي، متماسك، وواثق بقدرته على العبور نحو الغد بروحٍ جديدة ورؤية تجمع الدولة ومجتمعها في مسار واحد.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :