facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




تجديد التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي


د.مأمون الشتيوي العبادي
02-02-2026 06:33 PM

* تحوّل إبستمولوجي في وظيفة المعرفة ودور الإنسان

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مضافة إلى البيئة التعليمية، بل أصبح عنصرًا مُغيِّرًا لبنية التعليم نفسها، ومُحدثًا تحوّلًا عميقًا في طبيعة المعرفة، ودور المعلّم، ووظيفة المتعلّم، ومعايير التقييم، بل وفي الفلسفة التي يقوم عليها النظام التعليمي برمّته. إننا لا نعيش مرحلة "رقمنة التعليم"، بل مرحلة إعادة تعريف التعليم.

التعليم التقليدي نشأ في سياق ندرة المعلومات.

المدرسة والجامعة كانتا مستودع المعرفة، والمعلّم هو الوسيط الأساسي للوصول إليها. كانت القيمة التعليمية تقوم على الحفظ والاستظهار وامتلاك أكبر قدر من المعلومات

أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد انهار منطق الندرة المعرفية. المعرفة اليوم: متاحة وفورية وقابلة للتوليد آليًا وغير محصورة في سلطة أكاديمية محددة.

وهنا يحدث التحوّل الإبستمولوجي الأهم:

لم تعد القيمة في امتلاك المعلومة، بل في:

فهمها، نقدها، سياقها، وحدودها.

أي أن التعليم ينتقل من نقل المعرفة إلى إدارة المعرفة، ومن إنتاج الإجابات إلى تفكيك الإجابات.

تحوّل دور المعلّم — من سلطة معرفية إلى سلطة منهجية

في النموذج التقليدي:

المعلّم هو مصدر المعرفة وصاحب الإجابة الصحيحة.

في عصر الذكاء الاصطناعي: يستطيع الطالب الحصول على إجابة فورية من نظام آلي قد يبدو واثقًا ومتماسكًا.

إذن أين تتجلّى سلطة المعلّم الآن؟

ليست في المعلومة، بل في:

- تدريب الطالب على التفكير النقدي
— هل الإجابة دقيقة؟
— ما مصادرها الضمنية؟
— ما افتراضاتها غير المعلنة؟
- كشف تحيّزات المعرفة المولَّدة آليًا

الذكاء الاصطناعي يعكس بياناته، وبياناته تعكس بنى ثقافية واقتصادية وسياسية.
- إعادة ربط المعرفة بالسياق الإنساني
الآلة تقدّم صياغة، لكن الإنسان يمنح المعنى.
إذن المعلّم لم يفقد مكانته، بل انتقل من ناقل للمعلومة إلى مُهندس للفهم.

إعادة تعريف دور الطالب — من متلقٍ إلى فاعل معرفي.

الطالب في النموذج القديم كان يُقيَّم بقدر ما يسترجع.
أما اليوم، فالمشكلة لم تعد: هل يعرف؟
بل: كيف يتعامل مع ما يعرف؟

الطالب في عصر الذكاء الاصطناعي مطالب بـ:
• صياغة الأسئلة الذكية
• تقييم موثوقية المعلومات
• التمييز بين الصياغة المقنعة والحقيقة العلمية
• دمج المعرفة التقنية بالفهم الإنساني

وهنا يظهر مفهوم جديد:
الكفاءة المعرفية النقدية بدل الكفاءة الحفظية.

أزمة التقييم التقليدي
الذكاء الاصطناعي كشف هشاشة كثير من أدوات التقييم الجامعي:
• التعبير العام
• الواجبات المنزلية النمطية
• الأسئلة المباشرة

كلها أصبحت قابلة للإنجاز آليًا. لذلك يتجه تجديد التعليم نحو ما يلي:

التقييم التقليدي - التقييم المتجدّد؛
نتيجة نهائية - تقييم المسار؛
إجابة صحيحة - مسار تفكير مبرَّر؛
مهمة عامة - مشكلة سياقية حقيقية؛
عمل فردي مغلق - مشاريع تعاونية مفتوحة.

القيمة لم تعد في “النص المكتوب”، بل في عملية التفكير التي أنتجته.

المهارات التي يعيد الذكاء الاصطناعي ترتيبها

المفارقة أن الذكاء الاصطناعي، رغم طبيعته التقنية، يعيد الاعتبار للإنساني مايلي:
• التفكير النقدي
• الإبداع
• الحكم الأخلاقي
• الذكاء العاطفي
• القدرة على اتخاذ القرار في ظروف غموض

لأن الذكاء الاصطناعي هو سريع وواسع المعرفة، لكنه بلا مسؤولية أخلاقية، بلا وعي سياقي وبلا تجربة إنسانية وهنا تصبح المدرسة والجامعة فضاءً لتشكيل الإنسان المفكّر لا مجرد الموظف المزوَّد بالمهارات.

الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للتعليم بل كاشفًا لضعفه
الذكاء الاصطناعي لم يخلق أزمة التعليم، بل كشفها كما يلي:
• هيمنة الحفظ
• ضعف التفكير النقدي
• التقييم الشكلي
• انفصال المعرفة عن الواقع

هو أشبه بمرآة قاسية أجبرت المؤسسات التعليمية على مواجهة سؤال جوهري:
ما الذي يبقى للإنسان عندما تستطيع الآلة إنتاج النص والإجابة والتحليل الأولي؟
يبقى الفهم، والوعي، والمسؤولية، والحكم القيمي.

أخيرا، تجديد التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي ليس مشروعًا تقنيًا، بل مشروعًا فلسفيًا وتربويًا يعيد تعريف: معنى المعرفة، ووظيفة الجامعة، ودور المعلّم وهوية الطالب. إننا ننتقل من تعليم يُخرّج حافظين إلى تعليم يُخرّج مفكّرين،
ومن تعليم يُنتج إجابات إلى تعليم يُنتج عقولًا قادرة على مساءلة الإجابات. والسؤال لم يعد اليوم: كيف نُدخل الذكاء الاصطناعي إلى التعليم؟ بل أصبح: كيف نُعيد بناء التعليم بحيث يبقى الإنسان في مركزه، حتى في أكثر العصور تقنية؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :