ماذا يعني الانتقال من الهيمنة المالية إلى نظام مالي قائم على المنظومة؟
د. حمد الكساسبة
02-02-2026 06:45 PM
يشهد العالم تحوّلًا ماليًا يختلف عمّا اعتادته الأسواق من أزمات دورية. فما يحدث اليوم لا يمكن اختزاله في تقلبات مؤقتة لأسعار الفائدة أو العملات، بل يعكس تغيّرًا تدريجيًا في طريقة عمل النظام المالي الدولي نفسه. فمنذ عام 2020، ومع تزامن الصدمات الصحية والاقتصادية والجيوسياسية، بدأت تتكشف حدود نموذج بُني على مركز واحد وافتراض استقرار طويل الأمد، وهو افتراض لم يعد منسجمًا مع واقع عالمي سريع التقلب.
الفكرة الأساسية هنا أن الإشكالية لا تكمن في عملة بعينها. فالدولار ما يزال يشكّل نحو 58% من الاحتياطيات النقدية العالمية وفق أحدث البيانات المتاحة، إلا أن هذا الرقم لا يعني ثبات الهيمنة بقدر ما يشير إلى بداية تحوّل في طريقة توزيع المخاطر. فالعالم لا يتخلّى عن الدولار، بل يعيد النظر في الاعتماد على عملة واحدة بوصفها الركيزة الوحيدة للنظام المالي الدولي، متجهًا نحو منظومة تقوم على توزيع الأدوار بين أكثر من عملة وأكثر من أصل وأكثر من مصدر نفوذ مالي.
ويتضح هذا التحوّل بشكل أكبر عند النظر إلى أوضاع المالية العامة في الولايات المتحدة. فالدين العام الأميركي، الذي اقترب في عام 2026 من مستوى 38 تريليون دولار، أي ما يزيد على 120% من الناتج المحلي الإجمالي، لا يُقرأ كرقم ضخم فحسب، بل كمؤشر على انتقال كلفة النموذج المالي الأميركي إلى خارج حدوده. فعند هذا المستوى من المديونية، تصبح تداعيات الدين جزءًا من حسابات المخاطر العالمية، لا مسألة داخلية يمكن التعامل معها محليًا فقط.
وفي السياق نفسه، تكشف السياسة النقدية الأميركية حدود الأدوات التقليدية في إدارة اقتصاد عالمي شديد التعقيد. فبعد أن بلغت أسعار الفائدة مستويات مرتفعة خلال عامي 2023 و2024، بدأت التوقعات في عام 2026 تميل نحو التيسير، ليس لأن المشكلات الأساسية قد حُلّت، بل لأن كلفة التشديد أصبحت أعلى من قدرته على تحقيق الاستقرار. هذا التذبذب بين رفع الفائدة وخفضها يعكس صعوبة التعامل مع واقع اقتصادي متقلب بأدوات صُممت لعالم أكثر استقرارًا، ويُبقي حالة عدم اليقين مسيطرة على قرارات الاستثمار والتمويل.
وعندما لا تعود الأدوات النقدية وحدها كافية لتوفير قدر من الاستقرار أو إعطاء إشارات واضحة للأسواق، يصبح الرجوع إلى التجربة التاريخية أمرًا ضروريًا لفهم طبيعة التحوّل الجاري. ففي عام 1971، أُعيد تشكيل النظام النقدي العالمي مع انهيار نظام بريتون وودز بقرار واحد واضح وسريع أنهى مرحلة كاملة وفتح أخرى جديدة. أما اليوم، فالمشهد مختلف؛ إذ لا يوجد قرار واحد ولا لحظة فاصلة، بل تغيّرات متراكمة بدأت بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 وتسارعت بعد عام 2020، ما يجعل التحوّل أبطأ في ظهوره، لكنه أعمق في تأثيره.
ومن العلامات الواضحة على هذا التحوّل سلوك البنوك المركزية حول العالم. فبدل الاعتماد على أداة واحدة كما في السابق، اتجهت هذه البنوك إلى تنويع احتياطياتها والتعامل معها كأداة لإدارة المخاطر لا مجرد مخزن للقيمة. وقد تجاوزت مشتريات البنوك المركزية من الذهب ألف طن حتى نهاية عام 2025، وهو ما لا يعني عودة إلى نظام نقدي قديم، بل يعكس بحثًا عمليًا عن هوامش أمان داخل نظام مالي لم يعد يمنح الثقة المطلقة بأداة واحدة، مهما كانت مكانتها التاريخية.
وفي هذا الإطار، لا يمكن تجاهل دور الشرق الأوسط في تسريع هذا التحوّل. فالمنطقة لم تعد تُقرأ فقط من زاوية التوترات السياسية، بل بوصفها عنصرًا مؤثرًا في استقرار النظام المالي العالمي. إذ يوفّر الشرق الأوسط نحو ثلث إمدادات الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، ومن ثم على معدلات التضخم ومسار أسعار الفائدة حول العالم. وبذلك أصبحت الجغرافيا السياسية جزءًا من بنية النظام المالي نفسه، لا عاملًا خارجيًا يمكن فصله عنه.
في ضوء ذلك يبدو أن ما يجري اليوم لا يشبه انهيارات الماضي، بل قد يكون أخطر منها بهدوئه. فنحن أمام انتقال فعلي من منطق الهيمنة المالية الأحادية إلى منطق المنظومة المتكاملة، حيث لا عملة واحدة ولا أداة واحدة قادرة على حمل النظام المالي وحدها. هذا التحوّل لن يكتمل بين ليلة وضحاها، بل سيتشكّل على مدى سنوات، وربما عقد كامل. وهنا يبرز تساؤل لا يمكن تجاهله: إذا كانت الأدوات النقدية والمالية لم تعد كافية وحدها لضبط النظام المالي الدولي أو فرض قواعده، فهل يبقى الصراع محصورًا في إطار الاقتصاد والسياسة، أم أن التاريخ قد يعيد طرح أدوات القوة العسكرية، ليس كخيار معلن، بل كوسيلة غير مباشرة لإعادة فرض التوازن؟ سؤال مفتوح، لكن تجاهله قد يكون أكثر كلفة من محاولة الإجابة عنه.