أحمد عبيدات .. رجل دولة يغادر بصمت ويترك وطنًا من المواقف
أ.د. مصطفى محمد عيروط
05-02-2026 01:11 AM
برحيل أحمد عبيدات فقيد الوطن، وقد شيّعه الأردنيون اليوم في مسقط رأسه حرثا في لواء بني كنانة في محافظة إربد، فقد الأردن وفلسطين قامة وطنية استثنائية، ورجل دولة نادرًا ما تكرر، جمع بين الموقع والمسؤولية، وبين النزاهة والشجاعة وقول الحق، فغادر الحياة تاركًا إرثًا سياسيًا ووطنيًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة الدولة والناس.
تولى الراحل مواقع سيادية بالغة الحساسية؛ فكان مديرًا لدائرة المخابرات العامة، ثم وزيرًا للداخلية، ثم رئيسًا للحكومة، في مراحل دقيقة من تاريخ الأردن والمنطقة، حيث كانت القرارات تُتخذ تحت ضغط التحديات الأمنية والسياسية، لا في ترف الاستقرار.
رجل دولة لا رجل منصب
وما ميّز أحمد عبيدات أنه لم يتعامل مع الموقع بوصفه امتيازًا، بل تكليفًا ومسؤولية. عرفه الأردنيون نزيهًا نظيف اليد، لا يساوم على مصلحة الوطن، ولا يتردد في اتخاذ الموقف الصعب إذا اقتضته المصلحة العليا، حتى وإن كلّفه ذلك موقعه أو راحته.
في زمن كثرت فيه الحسابات، بقي عبيدات واضحًا مباشرًا، يقول ما يؤمن به، ويقف حيث يجب أن يقف، دون مواربة أو ازدواجية. لم يكن أسير اللحظة، بل صاحب رؤية دولة.
الأردن وفلسطين… موقف لا يتجزأ
كان الراحل مخلصًا للأردن حتى النخاع، يرى في الدولة الأردنية مشروع استقرار وعدالة وسيادة قانون، وفي الوقت ذاته ظل ثابتًا في موقفه القومي تجاه فلسطين، مدافعًا عن الحق، رافضًا التنازل أو التفريط، مؤمنًا بأن فلسطين قضية حق وعدالة لا تسقط بالتقادم.
لم يتاجر بالقضية، ولم يجعلها شعارًا، بل موقفًا مبدئيًا صريحًا، عبّر عنه في أحلك الظروف، وبأعلى درجات المسؤولية.
الشجاعة في قول الحق
من أبرز ما يُحسب لأحمد عبيدات شجاعته الأخلاقية والسياسية. لم يكن من أولئك الذين يلوذون بالصمت بعد مغادرة المواقع، بل ظل حاضرًا في النقاش الوطني، ناقدًا عندما يجب النقد، ومدافعًا عندما يتطلب الواجب الدفاع، واضعًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
كان يؤمن أن الدولة القوية لا تخاف من الرأي الصادق، وأن الإصلاح لا يبدأ بالمجاملات، بل بالمصارحة.
إرث لا يُختصر بسيرة
إرث أحمد عبيدات لا يُقاس بالمناصب التي شغلها، بل بالقيم التي جسّدها:
النزاهة،
الاستقامة،
الشجاعة،
الانحياز للوطن والحق،
والالتزام بثوابت الأمة.
هو من أولئك الرجال الذين إذا غابوا بان فراغهم، وإذا ذُكروا استُحضرت معاني الدولة وهيبتها وأخلاقياتها.
خاتمة
برحيل دولة المرحوم أحمد عبيدات، يودّع الأردن رجلًا من رجالاته الكبار، ويودّع الفلسطينيون صوتًا صادقًا في زمن الالتباس. لكن العزاء أن إرثه باقٍ، ومواقفه حاضرة، وتجربته مدرسة في كيف يكون المسؤول خادمًا للوطن لا متسلطًا عليه.
رحم الله أحمد عبيدات
…
بقي نظيفًا، ومضى كبيرًا، وترك وطنًا من المواقف. لم ولا ولن تُنسى، وستبقى منارة للأجيال، فالمال يذهب والجاه يذهب والرتب تذهب ويبقى العمل والسيرة الذاتية كنز لا يفنى عند أحمد عبيدات الرجل الرجل، وقد عرفته وأنا طالب في الجامعة الأردنية ولم يتغير، وعاصرته منذ أن كان ضابطًا في المخابرات العامة ووزيرًا للداخلية ورئيسًا للحكومة، رجل دولة بكل معنى الكلمة، كبيرًا بكل معاني الكلمة، وعرفت مواقفه الوطنية وإخلاصه ونظافته ونزاهته ومحاربته للفساد، مخلصًا للأردن وفلسطين والأمة.
أحمد عبيدات نعم فقيد الوطن وفلسطين والأمة.
عاش كبيرًا ومات كبيرًا،
وهذه الدنيا لا تبقى لأحد ويبقى قبره،هنا أحمد عبد المجيد عبيدات ابن الأردن وفلسطين الوطني البار، تقرأ عنه وتسمع عنه وتسمع له.
الفاتحة على روحه الطاهرة.
*الاستاذ الدكتور مصطفى محمد عيروط
اكاديمي وإعلامي اردني