حين تصبح الحرب في الشرق الأوسط عبئًا اقتصاديًا على الجميع
د. حمد الكساسبة
05-02-2026 01:12 AM
تشهد هذه الأيام مساعي دبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، في وقت يقف فيه الشرق الأوسط عند مفترق طرق حاسم. فالقضية لم تعد مرتبطة باحتمال حرب محدودة أو جولة توتر عابرة، بل بسؤال أعمق يتعلق بمستقبل المنطقة: هل تستمر في الارتهان للحلول العسكرية، أم تنجح في كسر هذه الحلقة المكلفة عبر تسوية سياسية واقعية؟ وتؤكد التجربة أن كلفة الصراع لا تُدفع أمنيًا فقط، بل تُستنزف اقتصاديًا واجتماعيًا قبل ذلك بوقت طويل، إذ إن الحل العسكري لا يقدّم مخرجًا مستدامًا، بل يُنتج آثارًا عكسية ويعيد طرح فكرة إعادة تشكيل المنطقة بما يفتح المجال أمام قوى خارجية تتربص بالإقليم.
ومن منظور اقتصادي، لا تبدأ الحرب عند إطلاق أول رصاصة، بل عند اهتزاز الثقة. فتصاعد التوتر يرفع علاوة المخاطر، ويؤجل قرارات الاستثمار، ويزيد كلفة التمويل. وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن التوترات الجيوسياسية الحادة يمكن أن تخفّض النمو الاقتصادي العالمي بما بين 0.3 و0.5 نقطة مئوية خلال عام واحد، حتى دون اندلاع حرب شاملة، ما يعكس حجم الخسارة الصامتة التي يفرضها غياب الحل السياسي على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، يظهر الشرق الأوسط بوصفه الحلقة الأضعف في هذه المعادلة. فالعديد من دوله تعاني أصلًا من اختلالات اقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وضغوط اجتماعية متراكمة. ووفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، لا تستقطب دول المنطقة سوى نحو 5% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر العالمية، وهي نسبة لا تعكس حجم الإمكانات المتاحة. ومع استمرار التوتر، تتراجع هذه التدفقات أكثر، وتتسع كلفة الفرص الضائعة من نمو وفرص عمل وتنمية.
وتقع أسواق النفط في قلب هذه التداعيات، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، ما يجعل المنطقة شديدة الحساسية لأي تصعيد سياسي. غير أن ارتفاع أسعار النفط لا يُعد مكسبًا حقيقيًا لدول الشرق الأوسط، بل مصدرًا إضافيًا لعدم الاستقرار، لأنه يعمّق التقلبات ويزيد هشاشة الاقتصادات بدل أن يعزز قدرتها على التخطيط والاستقرار.
ولا يتوقف الأثر عند أسواق الطاقة، بل ينتقل مباشرة إلى حياة الناس. فارتفاع أسعار النفط يرفع معدلات التضخم ويزيد كلفة الغذاء والنقل والخدمات، ما يضعف القدرة الشرائية ويضغط على الاستقرار الاجتماعي. وهكذا تتحول التوترات الجيوسياسية من عناوين بعيدة إلى أعباء يومية يشعر بها المواطن في دخله ومعيشته، وتتضح كلفة الفرصة الضائعة حين تُسحب الموارد من التعليم والبنية التحتية وفرص العمل.
وعلى مستوى القوى الكبرى، تتباين التأثيرات لكن النتيجة واحدة. فالصين، التي تعتمد على الشرق الأوسط لتأمين نحو 40% من وارداتها النفطية، تتأثر مباشرة بأي اضطراب طويل الأمد في الإمدادات، ما ينعكس على صناعتها وسلاسل التوريد لديها. وهذا يؤكد أن استمرار التوتر في المنطقة لا يعزلها عن العالم، بل يضعف موقعها في الاقتصاد العالمي بدل أن يعززه.
أما الولايات المتحدة، فرغم بعدها الجغرافي عن ساحة التوتر، فإنها ليست بمنأى عن هذه التداعيات. فاضطراب أسواق الطاقة وتقلب الأسواق المالية ينعكسان مباشرة على معدلات التضخم، ومسار السياسة النقدية، وكلفة التمويل، ما يجعل أي تصعيد عسكري في الشرق الأوسط عامل ضغط اقتصادي داخلي لا يمكن تجاهله.
وفي المقابل، قد تحقق بعض الأطراف مكاسب قصيرة المدى نتيجة التوتر، إلا أن هذه المكاسب لا تدوم ولا تعوّض الخسائر الأوسع. فالحلول العسكرية لا تُنهي الأزمات، بل تؤجلها وتزيد تعقيدها، وتُبقي المنطقة في حالة عدم يقين دائم. ومع استمرار هذه الحالة، يتراجع الاستثمار، وتتأخر مشاريع التنمية، وتجد الحكومات نفسها منشغلة بإدارة الأزمات بدل التركيز على النمو وتحسين الأوضاع المعيشية.
إن الوصول إلى تسوية سياسية واقعية لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية تفرضها كلفة الصراع وآثاره المباشرة على النمو وفرص العمل ومستويات المعيشة. فاللجوء إلى الحل العسكري لا يُنتج استقرارًا، بل يعمّق هشاشة الاقتصادات ويضغط على المجتمعات ويعيد فتح ملفات إعادة تشكيل المنطقة بما يوسّع هامش تدخل قوى خارجية تتربص بالإقليم. وتقع على عاتق دول الشرق الأوسط مسؤولية الدفع الجاد نحو حلول سياسية تُجنّب شعوبها مزيدًا من الاضطراب، وتفتح الباب أمام استقرار مستدام يحوّل المنطقة من ساحة أزمات متكررة إلى مسار تنموي منتج.