في السنوات الأخيرة، أصبح مصطلح "ثورة المهارات" حاضرًا في كل مؤتمر، وكل استراتيجية، وكل خطاب عن المستقبل. يُقال لنا إن العالم يعيد ترتيب أوراقه، وإن المهارات تتقدّم على الشهادات، وإن الفرص أصبحت مفتوحة لمن يمتلك القدرة لا الورقة. خطاب جميل… لكنه، حين نُسقطه على الواقع الأردني، يبدو أقرب إلى حلمٍ مستورد منه إلى مسارٍ فعلي.
ثورة المهارات تفترض بيئة رشيقة ومرنة، تعليمًا متجددًا، سوق عمل يستوعب المختلف، ونظامًا يُكافئ المبادرة لا الامتثال. بينما الواقع الأردني، للأسف، ما زال أسير نموذج قديم: تعليم تلقيني، توظيف تقليدي، ومسارات مهنية تُكافئ الصبر أكثر مما تُكافئ الكفاءة.
نقول للشباب: “تعلّموا مهارات المستقبل”، ثم نضعهم في سوق لا يسأل عن المهارة، بل عن الواسطة، أو العمر، أو عدد سنوات الخبرة في وظيفة لم تُنتج مهارة أصلًا. نحدّثهم عن البرمجة والذكاء الاصطناعي، ثم نُغرقهم بإجراءات، وتشريعات، وثقافة تخاف من الجديد، وتُفضّل المألوف، حتى لو كان معطّلًا.
الأخطر من ذلك، أن خطاب ثورة المهارات في الأردن غالبًا ما يُستخدم كـخطاب إزاحة:
نحمّل الفرد مسؤولية الفشل، ونتغاضى عن مسؤولية المنظومة.
إذا لم تجد عملًا، فالمشكلة في مهاراتك.
إذا لم تنجح، فربما لم “تُحدّث نفسك”.
أما السؤال الحقيقي: هل السوق جاهز؟ هل المؤسسات تغيّرت؟ هل آليات الاختيار عادلة؟ فيبقى مؤجّلًا.
ثورة المهارات ليست كورسات أونلاين، ولا شهادات قصيرة، ولا حملات إعلامية. هي تحوّل عميق في العقل المؤسسي: في كيف نُقيّم الناس، كيف نمنح الفرص، وكيف نسمح بالخطأ والتجريب. وهذا التحول لم يحدث بعد بالشكل الكافي.
بل إن كثيرًا من المواهب الأردنية، حين امتلكت المهارة فعلًا، لم تجد مكانها هنا… فغادرت. لا لأن الأردن لا يملك عقولًا، بل لأنه لم يهيئ لها مساحة. فكانت النتيجة مفارقة مؤلمة: نُصدّر المهارات، ونستورد الخطاب.
لا يعني هذا أن الأمل مفقود، ولا أن الأردن عاجز. على العكس، الإمكانات البشرية هائلة. لكن الصراحة تقتضي أن نقول: لسنا في قلب ثورة المهارات بعد… نحن على هامشها.
والانتقال من الهامش إلى المركز لا يحتاج مزيدًا من الشعارات، بل شجاعة الاعتراف، وإرادة التغيير الحقيقي: إصلاح التعليم قبل التدريب، إصلاح التوظيف قبل التحفيز، وإصلاح الثقافة قبل المطالبة بالمهارة.
ثورة المهارات لا تبدأ من الفرد فقط… بل من الدولة حين تُقرّر أن تستحق مهارات أبنائها.
* د. صالح سليم الحموري
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية