facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأمير الحسن في باريس… حين يصبح الفكر جسراً، والحديث وطناً


السفير د. موفق العجلوني
07-02-2026 12:23 AM

ليست باريس، في حضور صاحب السمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله ورعاه، مدينةً من حجرٍ ونهرٍ وذاكرة، بل منبرٌ للفكر، وفسحةٌ للمعنى، ومقامٌ يتجلّى فيه العقل حين يتحرر من ضيق اللحظة، ويرتقي إلى أفق الإنسان. فسموّه لا يزور العواصم، بل يُقيم فيها أثراً، ولا يمرّ على المؤسسات، بل يوقظ فيها الأسئلة الكبرى التي تخشى العقول الكسولة الاقتراب منها.

باريس تعرف هذا الصوت جيداً. عرفته منذ عقود، يوم كان الأمير الحسن يحاور العالم من منصات اليونسكو، ويخاطب الضمير الإنساني بلغةٍ لا تستجدي العاطفة، بل تستنهض العقل، ولا تساوم على الحقيقة، بل تضعها في قلب النقاش. وزيارته الأخيرة ليست إلا امتداداً لذلك الخيط الذهبي الذي يربط سموّه بالمدينة: خيط الفكر، والعلم، والحوار الذي لا ينقطع.

وتعود بي هذه الزيارة، كما تعود الذكريات النبيلة دائماً، إلى مطلع التسعينيات، حين كان لي شرف استقبال سموّه في باريس خلال الأعوام ١٩٨٩-١٩٩٣اثناء عملي في سفارتنا الأردنية في باريس ، ثم في روما خلال الاعوام ٢٠٠٠- ٢٠٠٥ ايضاً خلال عملي في السفارة الأردنية في روما بمعية سعادة السفير عمر الرفاعي . لم تكن تلك اللقاءات بروتوكولاً ولا مجاملات، بل جلسات فكرٍ صافٍ، تمتد حتى ساعات الليل المتأخرة، حيث يصبح الزمن تفصيلاً هامشياً أمام سطوة الحديث. كنت أصغي، لا لأتعلم فقط، بل لأطمئن أن في هذا العالم عقلاً يرى أبعد مما نرى، وقلباً يتّسع لما ضاق به الآخرون.

وفي إحدى تلك الليالي، وقد طال الحديث و طالت السهر حيث كنت وحد الجلسة مع سموه ، التفت إليّ سموّه بابتسامته العذبة قائلاً: «يا موفق، باين عليك انعست». ولم أكن نعساً، بل مأخوذاً بسحر الكلمة، مسافراً في نبرات صوته التي تشبه الموسيقى حين تُعزف بلا تكلف، وتطرب لها الروح قبل الأذن. فحديث الأمير الحسن لا يُتعب، بل يُنهك الجهل، ولا يُمل، بل يوقظ في السامع شهوة الفهم ومتعة الإصغاء.

سموّ الأمير الحسن ليس كغيره، لأن عقله ليس كعقول الآخرين، وفكره لا يقيم في قوالب جاهزة. هو شخصية فكرية قيادية، سياسية واقتصادية، اجتماعية، ودينية وعلمية، كأنما اختصر في شخصه مدارس كاملة، وحمل في ذاكرته تاريخ الحضارات، وفي منطقه حكمة الأديان، وفي رؤيته شجاعة السياسي الذي لا يخشى قول ما يجب قوله. جلساته ليست لقاءات، بل مسارات فكر، وحديثه ليس كلاماً، بل بناءٌ متأنٍ للمعنى.

في باريس اليوم، كما في الأمس، كان سموّه صوتاً للسلام الذي لا يُختزل في اتفاقات، بل يُبنى كقيمة أخلاقية. تحدث عن القدس لا بوصفها عنوان نزاع، بل كجرح إنساني، ومرآة تكشف عجز العالم عن احترام التعدد، وصون المقدّس، وحماية الإنسان من تسيس الإيمان. وحين حذّر من نزع الإنسانية عن الشعوب، كان يدافع عن الإنسان بوصفه إنساناً، لا رقماً ولا هامشاً في تقارير السياسة.

وحين انتقل إلى ميادين العلم، في وكالة الفضاء الأوروبية ومراكز البحث الكبرى، بدا الأمير الحسن كما هو دائماً: رجل دولة بعقل عالم، وعالم بقلب إنسان. يرى في المعرفة خلاصاً، وفي البحث العلمي فعلاً أخلاقياً، وفي التكنولوجيا قيمة لا معنى لها إن انفصلت عن كرامة البشر وذاكرتهم وحقهم في مستقبل عادل.
أما في اليونسكو، وبين السفراء والمثقفين، فقد عاد سموّه إلى نبرته الأقرب إلى الحكيم: حوار الأديان، حماية التراث، وصون الذاكرة الإنسانية من العبث والنسيان. كأنما يقول للعالم إن الحضارات لا تُقاس بما تملكه من قوة، بل بما تحميه من معنى.

سموّ الأمير الحسن بن طلال حالة فكرية نادرة. كلما أصغيت إليه، تمنيت أن يطول الحديث، لأنك تشعر أنك أمام عقلٍ يرى الطريق حين يضل الآخرون، وصوتٍ هادئ أشد وقعاً من كل الصراخ. هو من أولئك القلّة الذين يجعلونك تؤمن أن الحكمة لا تزال ممكنة، وأن الإنسان، حين يُنصت جيداً، قد يجد خلاصه في كلمة صادقة.

تلك هي باريس مع سمو الأمير الحسن: مدينة تصغي، وفكرٌ لا يشيخ، وصوتٌ يبقى، لأن ما قيل بصدق… لا يغيب.

لا يسعني في ختام حديثي، وانا العاشق لسموه، إلا أن أرفع أكفّ الدعاء إلى الله العليّ القدير، أن يحفظ سموّ الأمير الحسن بن طلال، وأن يمدّه بموفور الصحة والعافية، ويُديم عليه صفاء الفكر ونور البصيرة، وأن يبقيه سنداً للعقل الإنساني، وصوتاً للحكمة في زمنٍ اشتدّ فيه الضجيج وقلّ فيه الإصغاء. نسأل الله أن يبارك في عطائه الفكري الذي لا ينضب، وأن يُطيل في عمره، لتبقى كلمته نبراساً، وحضوره أماناً، وفكره جسراً يعبر عليه الإنسان نحو فهمٍ أعمق، وسلامٍ أصدق، ومستقبلٍ أكثر عدلاً وكرامة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :