إذا كنت من المفرطين في التفكير لاتخاذ القرارات .. إليك رأي العلم
24-03-2026 03:01 PM
عمون - لا يقتصر الأمر على مجرد "التفكير الزائد"، بل هو أسلوب مختلف تماماً في التعامل مع عدم اليقين، حيث يُفحص كل خيار من زوايا متعددة قبل الشعور بالأمان. ما يبدو للآخرين تردداً، غالباً ما يكون أسلوباً أعمق وأكثر تعقيداً في اتخاذ القرارات، لا يقترب منه غالبية الأشخاص.
بحسب ما جاء في تقرير نشرته مجلة VegOut، يمكن أن يعاني بعض الأشخاص عندما يتواجدون في متجر لشراء محمصة خبز، على سبيل المثال، إذ يكون أربعة عشر خياراً. ومن الممكن أن يمضى عليهم عشرون دقيقة يقرأون كل ملصق للمواصفات مرتين وبعدها يتصفحون هواتفهم لمقارنة التقييمات. وفي مكان ما في أعماق عقولهم، يقول صوت: لا ينبغي أن يكون الأمر بهذه الصعوبة.
نمط نفسي قابل للقياس
وبالفعل لا ينبغي أن يكون الأمر بهذه الصعوبة بالنسبة لمعظم الناس. لكن يختلف الأمر بالنسبة للأشخاص الذين يفرطون في التفكير. إنهم لا يفعلون ما يفعله معظم الناس عند اتخاذ القرارات. إنهم يقومون بشيء مختلف معرفياً، وهذا الاختلاف ليس عيباً في شخصياتهم، بل هو نمط نفسي قابل للقياس يُشكّل طريقة معالجتهم للمعلومات وتقييمهم للخيارات وإدراكهم لتبعات كل خيار يتخذونه.
نظامان مختلفان جذرياً لاتخاذ القرارات
في خمسينيات القرن الماضي، رجح الخبير الاقتصادي هربرت سيمون أن البشر لا يُحسّنون قراراتهم فعلياً. فهم لا يُقيّمون كل خيار مُمكن ويختارون الأفضل، إذ لا يُمكنهم ذلك، فالمتطلبات المعرفية ستكون هائلة. بدلاً من ذلك، يُمارس الكثيرون ما أسماه سيمون "الاكتفاء"، وهو مزيج من الرضا والاكتفاء. يُقيّمون الخيارات حتى يجدوا خياراً يُلبي معاييرهم المقبولة، ثم يختارونه وينتقلون إلى الخيار التالي.
وقد طوّرت أبحاث شوارتز وورد، ومونتيروسو وليوبوميرسكي ووايت وليمان فكرة سيمون وحوّلتها إلى بُعد شخصي قابل للقياس. كشف الباحثون أن الناس ينقسمون إلى فئتين: من يكتفون بما هو كافٍ (الذين يبحثون عن "الجيد بما فيه الكفاية") ومن يسعون إلى الكمال (الذين يحتاجون إلى إيجاد "الأفضل"). وفي دراسات متعددة شملت أكثر من 1700 مشارك، تبين أن من يسعون إلى الكمال أبلغوا عن مستويات أقل بكثير من الرضا عن الحياة والسعادة والتفاؤل والاكتئاب مقارنةً بمن يكتفون بما هو كافٍ. كما كان من يسعون إلى الكمال أكثر ميلاً للمقارنة الاجتماعية وأكثر حساسية للندم.
فإذا كان الشخص ممن يفرطون في التفكير، فهو على الأرجح من الفئة التي تسعى إلى الكمال. ولا يقتصر الثمن على الوقت الإضافي الذي يقضيه في اتخاذ القرارات، بل يشمل البنية العاطفية الكاملة المحيطة بكل قرار يتخذه.
حلقة الاجترار
يتخذ غالبية الأشخاص قراراً ثم يمضون قدماً. أما من يفرطون في التفكير، يتخذون قراراً ثم يستمرون في معالجته. يعيدون التفكير في الخيارات التي لم يختاروها، ويتخيلون كيف كانت ستسير الأمور بشكل مختلف، ويقيّمون صحة القرار باستخدام معلومات لم تكن متاحة لهم وقت اتخاذه. يُسمى هذا التفكير الافتراضي، وهو أحد السمات المميزة للعقل الذي يسعى إلى الكمال.
أظهرت دراسة، نُشرت في دورية Judgement & Decision Making، أن الأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق أقصى استفادة من أنفسهم لديهم صعوبة أكبر في التوقف عن التفكير في القرارات والخيارات، وأن الاجترار الذاتي يزيد من حدة عملية تقييم الخيارات، مما يؤدي إلى مشاعر سلبية. وتوصلت الدراسة إلى أن العصابية، وليست الضمير الحي، هي أقوى مؤشر شخصي على الميل إلى تحقيق أقصى استفادة. وهذا فرق جوهري. فالمفرطون في التفكير ليسوا أكثر حذراً، بل هم أكثر قلقاً. وهذا القلق لا يخدم القرار، بل يُفسده.
مشكلة المعلومات
يسعى المُفرطون في التفكير إلى الحصول على المزيد من المعلومات قبل اتخاذ القرار. وهذا يبدو منطقياً. لكن ثمة حدا تتجاوزه أية معلومة إضافية، فيتوقف الشخص عن تحسين جودة القرار ويبدأ في إضعافها. وكشفت نتائج مراجعة منهجية لسلوك المُعظِّمين أن الخوف من اتخاذ الخيار الخاطئ وتوقع الندم يدفعهم إلى اعتبار عملية اتخاذ القرار محفوفة بالمخاطر، مما يُفضي غالباً إلى شلل في اتخاذ القرار، حيث يُكافح المُعظِّمون للالتزام بخيارٍ ما، خشية ألا يكون الخيار الأمثل.
تجربة ما بعد اتخاذ القرار
حتى بعد اتخاذ القرار، تستمر العملية المعرفية للمُفكِّر المُفرط في التفكير في الاختلاف عن عملية المُكتفي بالحد الأدنى. يُدرك المُكتفي بالحد الأدنى ما يُسميه علماء النفس "الإغلاق المعرفي". يُتخذ القرار ويُغلق الملف وينتقل العقل إلى شيء آخر. أما المُبالغ في البحث فلا يحصل على هذا الإغلاق. فهو يستمر في تقييم القرار في ضوء البدائل، ويكون عُرضة بشكل خاص للمعلومات الجديدة التي تُشير إلى أنه اختار خطأً.
استدلال خاطئ على الفشل
كشفت أبحاث شوارتز أن المُبالغين في البحث يتأثرون سلباً بشكل أكبر بالمقارنة الاجتماعية التصاعدية. فعندما يرون شخصاً اتخذ خياراً مختلفاً ويبدو سعيداً به، يُدرك المُبالغ في البحث ذلك كدليل على فشله. إن الشخص الذي يكتفي بالحد الأدنى رأى نفس المعلومات ولم يشعر بشيء، لأن قراره كان قد بلغ الحد الأدنى المطلوب، وبالتالي اكتمل.
جهد ذهني مضنٍ
يصاب المُفرطون في التفكير بالإرهاق لهذا السبب وبطرق لا يفهمها الآخرون. إن الجهد الذهني المبذول في اتخاذ قرار واحد يتجاوز بكثير لحظة الاختيار، إذ يمتد إلى مرحلة البحث ثم إلى مرحلة التقييم وتتراكم التكلفة العاطفية مع كل قرار يُتخذ يومياً أو أسبوعياً أو حتى في الحياة.
نصيحة شائعة
إن النصيحة الشائعة للمُفرطين في التفكير هي "اتخذ قراراً" أو "توقف عن الإفراط في التفكير". لكنها نصيحة عديمة الجدوى لأنها تُسيء فهم المشكلة. إن المُفرط في التفكير لا يختار الإفراط في التفكير، بل يُشغّل نظاماً معرفياً مختلفاً. إن نصحه بالتوقف يُشبه نصح شخص يتحدث الفرنسية بالتحدث بالإنجليزية فقط، فالبنية مختلفة.
المساعدة الحقيقية
ما يُساعد حقاً ليس قوة الإرادة، بل التنظيم وتحديد أطر زمنية للقرارات. إن تحديد معايير "الجيد بما فيه الكفاية" قبل البدء بتقييم الخيارات، بحيث يكون لدى الشخص حد أدنى للرضا. إن إدراك أن الشعور بعدم الارتياح بعد اتخاذ القرار ليس دليلاً على خطأ الاختيار، بل هو سمة من سمات أسلوب الشخص الإدراكي، وسيظل موجوداً بغض النظر عن اختياره.
العربية.نت