بين هرمز والتفاهمات الكبرى
د. جاسر عبد الرزاق النسور
25-03-2026 01:48 PM
* قلق إسرائيل وتساؤلات الخليج حول التقارب الإيراني الأمريكي
تمر المنطقة بمرحلة حساسة وتحولات كبيرة ، فالحديث عن تقارب محتمل بين إيران والولايات المتحدة، كمؤشر على إعادة تشكل عميقة في موازين القوى الإقليمية. هذا المسار، رغم ما قد يحمله من فرص لخفض التوتر، يثير في المقابل قلقًا واضحًا لدى بنيامين نتنياهو، ويضع دول الخليج أمام تساؤلات استراتيجية حول موقعها في المرحلة المقبلة.
القراءة الإسرائيلية لهذا التقارب تنطلق من مخاوف متجذرة تتعلق بتعزيز النفوذ الإيراني في المنطقة. فرفع أو تخفيف العقوبات عن طهران يعني منحها هامشًا أوسع للحركة السياسية والاقتصادية، وكما أن أي عودة إلى اتفاق نووي بصيغة مشابهة لاتفاق عام 2015 تُنظر إليه إسرائيل على أنها تأجيل للصراع لا حله، وإتاحة وقت إضافي لإيران لإعادة ترتيب قدراتها.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز مضيق هرمز ب كورقة ضغط استراتيجية لا يمكن تجاهلها. فهذا الممر الحيوي الذي تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات الطاقة العالمية يمثل شريانًا اقتصاديًا بالغ الحساسية. وأي توتر في محيطه ينعكس فورًا على الأسواق العالمية. من هنا، تحرص الولايات المتحدة على ضمان أمن الملاحة فيه، في حين تدرك إيران أهمية هذا الموقع وتوظفه ضمن أدواتها التفاوضية.
أما في الخليج، فتتعامل دول مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة مع هذا المشهد بحذر استراتيجي. إذ أن أي تفاهم أمريكي إيراني قد يعيد صياغة منظومة الأمن الإقليمي، وربما يقلص من مستوى الانخراط الأمريكي التقليدي. ، قد يفتح بابًا لمرحلة تهدئة مطلوبة بعد سنوات من التصعيد.
ان تصريحات دونالد ترامب اليوم حول ما وصفه بـ"هدية كبيرة" من إيران في قطاع الطاقة بعدًا جديدًا للنقاش. هذه التصريحات، وإن بدت غير تقليدية، تعكس وجود مؤشرات على تفاهمات اقتصادية قيد التشكل، ومحاولات لتسويق أي تقارب محتمل كإنجاز سياسي واقتصادي في آن واحد، خاصة في ظل حراك يجري بعيدًا عن الأضواء.
ورغم ارتفاع وتيرة الحديث عن احتمالات التصعيد، إلا أن المعطيات الواقعية تشير إلى أن خيار المواجهة الشاملة لا يزال مستبعدًا، نظرًا لتكلفته الباهظة وتعقيد نتائجه. وعليه، يبقى مسار التفاهم، حتى وإن كان جزئيًا أو مرحليًا، الخيار الأكثر ترجيحًا في هذه المرحلة.إن ما تشهده المنطقة اليوم لا يمكن فصله عن إعادة ترتيب أوسع لمعادلات النفوذ، حيث تسعى القوى الدولية إلى إدارة التوازنات بدل حسمها، بما يضمن مصالحها الاستراتيجية. وفي هذا الإطار، تجد دول الخليج نفسها أمام اختبار دقيق للحفاظ على توازنها الاستراتيجي دون الارتهان لأي مسار مفروض.
السؤال الان: هل نحن أمام تهدئة حقيقية تعيد الاستقرار إلى المنطقة، أم مجرد إعادة تموضع تسبق جولات جديدة من التوتر؟
حمى الله الأردن وخليجنا العربي، وأدام نعمة الأمن والاستقرار، وحفظها ، وحفظ حكامها وقياداتها، لتبقى صفًا واحدًا في مواجهة التحديات، موحّدة الكلمة، ثابتة الموقف، عصيّة على الانكسار مهما اشتدت العواصف.
* دكتور الادارة الاستراتيجية وادارة الازمات