الدراما وإعادة تشكيل الوعي الوطني العام
د. سعود فلاح الحربي
07-02-2026 06:24 PM
لعل عملية إعادة تشكيل الوعي الوطني الجمعي العام، وغرس مبادئ الانتماء وتعزيز الهوية الوطنية يحتاج الى استراتيجية وطنية شاملة طويلة المدى، من محاورها التعليم والثقافه والادب.
وقبل ان نسلط الضوء على الدراما بوصفها فن أدبي ووسيلة حديثة وفاعلة، متطورة مقبولة لدى الكثير، لا سيما إن أحيطت بدراسة واعية وبعنابة فائقة فإنها ولا ريب ستسهم بإعادة تشكيل الوعي الوطني الجمعي، طبعا بالتوازي مع المحاور الاخرى التي تتناولها هذه الاستراتيجية، فعملية تعميق الانتماء الوطني والولاء لتاريخ الاردن في نفوس الجيل الجديد تحتاج الى منظومة متكاملة من العمل الجاد حتى الوصول الى الهدف الاسمى الماثل بالاعتزاز بالهويه الوطنيه في نفوس المواطنين.
واذا اردنا ان ناخذ مثالاً حياً على اسهام الدراما في إعادة تشكيل الوعي الوطني العام، فإننا سنتجه بدون شك الى التجربة التركية في هذا المجال، فالدراما التركية تشعرك عند مشاهدتها بانها تأتي ضمن استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل الوعي الوطني التركي، فتراها ركزت على الاحداث التاريخية القديمة وان لم تكن مكتوبه، وكان يكفي العمل الدرامي ان يكتب عليه مستوحى من التاريخ وتصل إلى نتيجة مفادها أن هذا الربط عبر هذه الوسيلة جاء ليعزز الهوية القومية التركية والثقافة والهوية الاسلاميه، في ظل صراع وتجاذبات المدنية والحداثة.
فالمتتبع للدراما التركية يجد مسلسلات تاريخية تناولت نشأة دولة السلاجقة التي ظهرت ابان العصر العباسي، ونتج عنها تأسيس الدولة العثمانية، ولك أن تشاهد مسلسلات كأرطغرل وعثمان واورهان والب ارسلان ومحمد الفاتح وغيرها من المسلسلات الدرامية المشوقة والتي تسهم بدون أدنى شك في إعادة تشكيل الوعي العام الوطني التركي.
في الحالة الاردنية، تخيل لو ان لدينا مسلسلات تاريخية ضخمة الانتاج معنية بشكل مباشر بتاريخ الاردن والحضارات التي قامت وسادت على أرضه قبل تاسيس الإمارة، فهناك العديد والكثير من القصص والحكايات التي يمكن نسجها على شكل دراما تتكلم مثلا عن حضارة الانباط، عن الملك ميشع، عن المؤابيين وغيرها العديد العديد، وهذا حقيقة تحتاج الى كتابة نص محترف، فلو سحبنا التجربة التركية على الحالة الاردنية اعتقد اننا وعبر الدراما سنسهم بشكل فعّال بإعادة تشكيل الوعي الوطني العام، اضف الى ذلك ومع تأسيس الإمارة الحديث سنه 1921 ايضا هناك العديد من الشخصيات الوطنية التي تصلح لأن تكون دراما ممنهجة كذلك الكثير من الاحداث التاريخيه والقصص التي تروى.
بطبيعة الحال، يمكن توجيه الاستثمار وراس المال في تحقيق هذا المنجز الحضاري الكبير والمساهمة في إعادة تشكيل الوعي الجمعي الوطني، بهدف تعزيز وتعميق الهوية الوطنية وترسيخها في ذهن الأجيال الناشئة، وفي الجهة المقابلة تقديم الرؤية الأردنية للاخر، وإثبات ان هذه الجغرافيا المقدسه ليست عابرة في التاريخ، ولا دولة وظائفية، انما بلد حضاري ضاربة جذوره في عمق التاريخ.