الذكاء الاصطناعي في المصارف الإسلامية
د. محمد فخري صويلح
07-02-2026 07:22 PM
* من الاندفاع التقني إلى القرار الحوكمي الرشيد
يشهد العالم اليوم تسارعاً غير مسبوق في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد هذه التقنيات حكراً على شركات التكنولوجيا العملاقة أو المراكز البحثية المتقدمة، بل أصبحت عنصراً أساسياً في عمل الحكومات، والهيئات الرقابية، والمؤسسات المالية والمصرفية،،، وفي خضم هذا التحول، تجد المصارف الإسلامية نفسها أمام فرصة استراتيجية كبيرة، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحدياً عميقاً ومركّباً يتمثل في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي دون الإخلال بالحوكمة المؤسسية، أو التسبب في مخاطر شرعية وقانونية، أو تقويض الثقة التي تشكّل جوهر العمل المصرفي الإسلامي.
في هذا السياق، يبرز إطار تبنّي الذكاء الاصطناعي الصادر عن الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (SDAIA) بوصفه مرجعاً مهماً، ليس فقط من زاوية تقنية، بل من منظور مؤسسي وحوكمي شامل،،، فالإطار لا يقدّم الذكاء الاصطناعي كحل جاهز أو أداة محايدة، بل يعيد ضبط العلاقة بين التكنولوجيا وصناعة القرار، ويؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون أداة استراتيجية خاضعة للحوكمة، والمساءلة، والرقابة، لا مشروعاً تقنياً معزولاً تقوده الإدارات التنفيذية بمعزل عن مجالس الإدارات.
ويؤكد الإطار أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً إضافياً أو ترفاً تقنياً، بل أصبح ضرورة تنافسية لتحسين الكفاءة التشغيلية، ورفع جودة الخدمات، وتعزيز دقة القرارات القائمة على البيانات،،، هذا الطرح ينطبق بشكل مباشر على المصارف الإسلامية، التي تواجه ضغوطاً متزايدة من عدة جهات،، مثل متطلبات الامتثال الشرعي، والتشريعات الرقابية، وتوقعات العملاء، والتنافس المتنامي مع المصارف التقليدية وشركات التكنولوجيا المالية.
غير أن الإطار يلفت الانتباه إلى نقطة جوهرية كثيراً ما يتم الالتفات عنها في النقاشات السائدة، وهي أن توفر التقنية أو سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة نجاح التبنّي،،، فالتجارب الدولية تشير بوضوح إلى أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تتحقق بعدد النماذج المطوّرة أو التطبيقات المستخدمة، بل بمدى جاهزية المؤسسة، ونضج حوكمتها، ووضوح استراتيجيتها، وقدرتها على إدارة المخاطر المصاحبة للتقنيات الذكية.
وما يميّز إطار SDAIA أنه يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره قراراً استراتيجياً لا يقل أهمية عن قرارات التوسع، أو إدارة رأس المال، أو تبنّي منتجات مالية جديدة،،، فالإطار يؤكد أن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون ضمن اختصاص مجلس الإدارة، لا مجرد ملف يُحال إلى إدارة تقنية المعلومات أو الابتكار.
ويقوم الإطار على ثلاثة ركائز مترابطة،،، التوجهات، والمُمكّنات، والمخرجات،، وفي ركيزة التوجهات، تحتل الاستراتيجية والحوكمة موقع الصدارة، مع التحذير من غياب الرؤية الواضحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي والتي غالباً ما تؤدي إلى مبادرات تجريبية متفرقة، تستهلك الموارد دون تحقيق أثر ملموس.
وفي المصارف الإسلامية، تتضاعف خطورة هذا النهج، لأن أي استخدام غير منضبط أو غير مفهوم لتقنيات الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى قرارات تمس جوهر الالتزام الشرعي، أو تخلق تعارضاً غير مقصود مع مقاصد الشريعة، خصوصاً في مجالات مثل منح التمويل، وتصنيف المخاطر، وتسعير المنتجات، أو إدارة التعثر.
وفي ركيزة المُمكّنات، يعيد الإطار الاعتبار للبيانات بوصفها العمود الفقري للذكاء الاصطناعي،،، فالخوارزميات، مهما بلغت دقتها، لا يمكن أن تنتج قرارات رشيدة إذا كانت البيانات التي تُغذّيها ضعيفة الجودة، أو متحيّزة، أو غير محكومة بشكل سليم.
وفي المصارف الإسلامية، لا تُعد البيانات مجرد مورد تشغيلي، بل أصلاً شديد الحساسية، تتقاطع فيه اعتبارات الخصوصية، وحماية حقوق المتعاملين، والامتثال التنظيمي، والاعتبارات الشرعية،،، ويشدد الإطار على أن سوء حوكمة البيانات لا يؤدي فقط إلى نتائج غير دقيقة، بل قد يخلق مخاطر قانونية وسمعة مؤسسية يصعب احتواؤها لاحقاً.
وفي بيئة مصرفية تقوم أساساً على الثقة، فإن أي إخلال في إدارة البيانات أو استخدامها قد تكون كلفته مضاعفة، سواء على مستوى السمعة أو على مستوى العلاقة مع الجهات الرقابية وأصحاب المصلحة.
ومن الجوانب اللافتة في إطار SDAIA تركيزه الواضح على القدرات البشرية، وتأكيده على أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل بمعزل عن الإنسان،،، فالخوارزميات تحتاج إلى من يصمّمها، ويفهم افتراضاتها، ويفسّر مخرجاتها، ويملك القدرة على مساءلتها وتصويبها عند الانحراف.
وفي المصارف الإسلامية، يكتسب هذا البعد أهمية خاصة، إذ لا يكفي وجود مهندسي بيانات أو خبراء نظم، بل لا بد من تكامل معرفي يجمع بين الفهم التقني، والإدراك الشرعي، والوعي القانوني، والخبرة المصرفية،،، ومن دون هذا التكامل، قد تتحول نماذج الذكاء الاصطناعي إلى صناديق سوداء تنتج قرارات يصعب تفسيرها أو الدفاع عنها أمام الهيئات الشرعية أو الجهات الرقابية.
وفي ركيزة المخرجات، يتحدث الإطار بلغة قريبة من اهتمامات أعضاء مجالس الإدارات مركزاً على خفض التكاليف، وتحسين الكفاءة التشغيلية، ورفع إنتاجية الموظفين، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الثقة مع العملاء وأصحاب المصلحة.
ويؤكد الإطار أن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يُقاس بعدد النماذج المطوّرة أو المشاريع المعلنة، بل بالأثر القابل للقياس على الأداء المؤسسي،،، وهذا الطرح يتقاطع مباشرة مع مسؤوليات لجان التدقيق، والمخاطر، والحوكمة في المصارف الإسلامية، والتي لا يمكنها تفويض ملف الذكاء الاصطناعي بالكامل للإدارة التنفيذية دون أطر واضحة للمساءلة، ومؤشرات أداء محددة، وآليات رقابة فعّالة.
يقدّم إطار SDAIA قراءة ناضجة ومسؤولة للذكاء الاصطناعي، تعيده إلى حجمه الطبيعي باعتباره أداة قوية، لكنها ليست محايدة، ولا آمنة بطبيعتها،،، وفي المصارف الإسلامية، تتضاعف أهمية هذا الفهم، لأن الخطأ في هذا السياق لا يكون تقنياً فقط، بل قد يكون شرعياً، أو قانونياً، أو أخلاقياً.
وفي عالم تتسارع فيه القرارات المدفوعة بالخوارزميات، قد لا تكون الميزة التنافسية الحقيقية في سرعة التبنّي، بل في حُسن التبنّي، وجودة الحوكمة، وانضباط القرار، ووضوح الدور الذي يجب أن يلعبه الذكاء الاصطناعي من خلال جعله أداة دعم للقرار، لا بديلاً عنه.
بقي أن أختم بتمنيات جادة وصادقة عنوانها أن تترجم التجربة السعودية لنموذج موازٍ في التجربة المصرفية الأردنية ،، ولعل البنك المركزي الأردني يأخذ زمام المبادرة في تقديم مثل هذا الإطار.