facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عمّان وأنقرة في لحظة اختبار: زيارة الملك ترسم ميزاناً جديداً للإقليم


د. محمد بني سلامة
08-02-2026 07:55 AM

ليست زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى تركيا ولقاؤه الرئيس رجب طيب أردوغان حدثاً بروتوكولياً يمكن قراءته بمنطق المجاملة الدبلوماسية. نحن أمام محطة سياسية ذات معنى، جاءت في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش المنطقة حالة إعادة تشكيل قاسية: حربٌ تُعيد تعريف الحدود والمعايير، واستقطاباتٌ تُعيد فرز التحالفات، واقتصادٌ عالمي يتجه بسرعة نحو التكتلات الكبرى، بحيث لم يعد هناك مكان للدول التي تعمل منفردة أو تكتفي بردّ الفعل. من هنا، تبرز الزيارة باعتبارها “قرار تموضع” لا مجرد حركة علاقات عامة، ورسالة بأن الأردن يقرأ التحولات بوعيٍ استراتيجي، وأن تركيا ترى في الشراكة مع عمّان جسراً ضرورياً لاستقرار المشرق.

اللقاء بين الملك وأردوغان يعكس حقيقة مركزية: العلاقات الأردنية–التركية لم تعد قابلة للاختزال في عناوين التعاون التقليدي، بل تتجه إلى صياغة شراكة متعددة الأبعاد، تتقدم فيها المصالح الصلبة على الحسابات العابرة. ففي الإقليم الذي يتغير بسرعة، تحتاج الدول المتوازنة إلى شركاء يمتلكون القدرة على التأثير، وتحتاج الدول الصاعدة إلى حلفاء يمتلكون الشرعية والاتزان والقدرة على بناء توافقات. والأردن وتركيا يملكان معاً هذا “التكامل السياسي”: عمّان بخطها الواقعي وثقلها في ملفات القدس وفلسطين والاستقرار الحدودي، وأنقرة بثقلها الاقتصادي والعسكري وحضورها في عقد الممرات الإقليمية.

سياسياً، تكتسب الزيارة ثقلاً مضاعفاً لأنها تأتي في سياق احتدام محاولات فرض الوقائع بالقوة، من تهجيرٍ وتغييرٍ ديمغرافي، إلى العبث بالوضع التاريخي والقانوني لمدينة القدس. الأردن، بوصايته الهاشمية ودوره المحوري في حماية المقدسات، يدرك أن القدس ليست ملفاً أردنياً فحسب، بل معيار استقرار إقليمي ودولي. وتركيا، بما تمثله من حضور في الوجدان الإسلامي والسياسة الإقليمية، تدرك أن أي انفجار في القدس سيُشعل المنطقة بأكملها. من هنا يمكن قراءة التقارب السياسي باعتباره توحيداً للموقف لا مجرد توافقٍ لفظي: رفضٌ صريح لسياسات الضم والتهجير، وتمسكٌ بالقانون الدولي، وإعادة تثبيت أن القدس خط أحمر لا يُدار بالتصريحات بل بالمواقف.

أما فلسطين، فهي تختبر اليوم جدوى الخطاب الدولي كله. وفي لحظة تتراجع فيها “لغة الحلول” أمام “لغة القوة”، يصبح توحيد المواقف بين عمّان وأنقرة ضرورة لتأمين مظلة سياسية داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، ولإبقاء حل الدولتين حياً بوصفه الخيار الوحيد القابل لتأسيس سلام عادل. إن قيمة هذا التقارب ليست أنه يرفع سقف الكلام، بل أنه يمنح الموقف العربي–الإسلامي رافعة إضافية عبر دولة تمتلك القدرة على الحركة والتأثير، ودولة تمتلك الشرعية والاتزان ومفاتيح التواصل.

إقليمياً، لا يمكن فصل الزيارة عن الملفات الأمنية المفتوحة، وعلى رأسها سوريا، وحدودها، ومسارات الاستقرار فيها. فالأردن يواجه يومياً تحديات أمنية عابرة للحدود، من تهريبٍ وتطرفٍ وفوضى سلاح، وتركيا بدورها تدفع كلفة أمنية وسياسية عالية في الجوار السوري. وعليه، فإن أي تقارب أردني–تركي لا بد أن يحمل في جوهره رسالة واضحة: أمن المنطقة وحدة واحدة، والاستقرار لا يُصنع بالشعارات بل بتنسيقٍ عملي، واحترام سيادة الدول، ودعم حلول تُعيد للدولة الوطنية توازنها بدل تحويلها إلى ساحات تصفية حسابات.

والأهم أن هذه الزيارة لا تتوقف عند السياسة، لأن السياسة بلا اقتصاد تُصبح خطاباً بلا أدوات. المنطقة تتجه نحو اقتصاد الممرات: طرق نقل، وسكك، وموانئ، وسلاسل توريد، وتكامل طاقي وصناعي. والأردن يملك ميزة الموقع والاستقرار والقدرة على أن يكون عقدة لوجستية، وتركيا تملك قاعدة صناعية وتجارية ضخمة وخبرة في الاستثمار والتصنيع. وعليه، فإن توسيع التعاون الاقتصادي والاستثماري والصناعي ليس ترفاً، بل هو جوهر الشراكة الجديدة: شراكة تُحصّن الاقتصاد الأردني، وتفتح فرصاً للقطاع الخاص، وتخلق مسارات تجارة إقليمية أكثر أمناً واستدامة.

خلاصة القول: زيارة الملك عبدالله الثاني إلى تركيا ولقاؤه الرئيس أردوغان ليست “زيارة مجاملة”، بل خطوة محسوبة في لحظة إقليمية فارقة. إنها تثبيت لمعادلة تقول إن الأردن لا ينتظر الأزمات حتى تفرض عليه خياراتها، وإن تركيا ترى في الشراكة مع عمّان ركيزة توازن لا غنى عنها. وفي زمن التحولات الكبرى، تُصنع المكانة حين تُصنع الشراكات. وهذه الزيارة، بكل ما حملته من رسائل، تعني أن عمّان وأنقرة اختارتا أن تكونا جزءاً من صناعة الاستقرار، لا جزءاً من إدارة الفوضى.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :