عطلة 3 ايام .. اقتصاد متعب لا يحتمل تجارب غير محسوبة
المحامي حسام العجوري
09-02-2026 11:10 AM
يمرّ الاقتصاد الأردني بواحدة من أصعب مراحله منذ عقود، في ظل عجز مالي مزمن، ومديونية تتصاعد عامًا بعد عام، ونسب بطالة مرتفعة تضرب فئة الشباب تحديدًا، إضافة إلى اتساع دائرة الفقر وتآكل القدرة الشرائية للمواطن. في هذا السياق المأزوم، يصبح الحديث عن زيادة العطلة الأسبوعية إلى ثلاثة أيام قرارًا منفصلًا عن الواقع الاقتصادي، بل ويعكس حالة من الانفصال بين أولويات الإدارة العامة وحجم التحديات الحقيقية.
اقتصاد يعاني من ضعف النمو لا يحتمل تقليص زمن العمل الرسمي دون مقابل إنتاجي واضح. القطاع العام يشكل ركيزة أساسية في الدورة الإدارية والمالية للدولة، وأي خفض فعلي في أيام العمل يعني بالضرورة تباطؤًا في إنجاز المعاملات، وتأخيرًا في دورة التراخيص، وتعطيلًا غير مباشر لحركة الاستثمار. المستثمر المحلي أو الأجنبي لا ينظر إلى الشعارات، بل إلى سرعة الإنجاز وكفاءة المؤسسات. وكل يوم تأخير إضافي في بيئة بيروقراطية أصلًا متخمة بالإجراءات هو كلفة اقتصادية حقيقية.
في بلد يعاني من مديونية مرتفعة، يفترض أن تكون الأولوية لتعظيم الإنتاجية لا تقليصها. خدمة الدين تستنزف جزءًا كبيرًا من الموازنة، والإنفاق الجاري مرتفع، والإيرادات تعتمد بدرجة كبيرة على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطنين. في ظل هذه المعادلة، أي تقليص فعلي لساعات العمل دون إصلاح جذري في الكفاءة الإدارية سيعمّق الاختلال بدل معالجته.
الأخطر أن القرار – إن طُبّق – سيعمّق الفجوة بين القطاعين العام والخاص. القطاع الخاص، الذي يواجه أصلًا تحديات ضريبية وكلف تشغيل مرتفعة، سيجد نفسه مضطرًا لمواءمة أعماله مع مؤسسات حكومية تعمل أربعة أيام فقط. هذا يعني مزيدًا من التعقيد، ومزيدًا من التأخير، ومزيدًا من الإحباط في بيئة أعمال تحتاج إلى تسهيل لا إلى تضييق.
المشكلة في الاقتصاد الأردني ليست في ضغط ساعات العمل على الموظف الحكومي، بل في ضعف القاعدة الإنتاجية، وضيق السوق، وهجرة الكفاءات، وغياب التحول الصناعي الحقيقي. الأولوية المنطقية في مرحلة كهذه هي رفع كفاءة الجهاز الإداري، تسريع الإجراءات، تحفيز الاستثمار، توسيع القاعدة الضريبية عبر النمو لا عبر الجباية، وتقليص الاعتماد على الدين. أما تقليص أيام العمل في اقتصاد هش، فهو خطوة تعاكس الاتجاه المطلوب.
اقتصاد مثقل بالعجز لا يحتاج قرارات تجميلية أو إدارية سطحية، بل يحتاج إعادة ضبط شاملة لأولوياته. أي إجراء يقلل زمن العمل دون ضمان رفع الإنتاجية يعكس قراءة غير دقيقة لواقع اقتصادي لا يحتمل مزيدًا من التجارب. في لحظة مالية حساسة كهذه، المطلوب هو تشديد الانضباط والكفاءة، لا تخفيف أيام الدوام.