تعطيل 3 أيام في الأسبوع: قرار إداري يتطلب جاهزية مؤسسية لا اجتهادًا زمنيًا
أ. د. هاني الضمور
09-02-2026 11:59 AM
في لحظات التحول الإداري، لا تُقاس القرارات الكبرى بوقعها الإعلامي ولا بنيّاتها الاجتماعية، بل بقدرتها على تحسين كفاءة الدولة دون المساس بحقوق المواطنين أو إرباك إيقاع الاقتصاد. ومن هذا المنطلق، فإن التوجّه نحو اعتماد عطلة أسبوعية من ثلاثة أيام في مؤسسات الدولة الأردنية لا يمكن التعامل معه كإجراء تنظيمي داخلي، بل كسياسة عامة تمسّ جوهر الإدارة العامة، وتؤثر مباشرة في الثقة المؤسسية، وكلفة المعاملات، وفعالية الاقتصاد الوطني.
الإدارة العامة ليست غاية في ذاتها، بل أداة لخدمة المجتمع. والزمن داخل مؤسسات الدولة ليس وقتًا محايدًا، بل موردًا اقتصاديًا وإداريًا له قيمة مباشرة وغير مباشرة. أي تعديل في تنظيم هذا الزمن، سواء بالتقليص أو الإطالة، ينعكس على الإنتاجية، وجودة الخدمة، وسلوك الأفراد والمؤسسات. ومن هنا، فإن السؤال الجوهري لا يتمثل في عدد أيام الدوام، بل في قدرة الدولة على إدارة الوقت بكفاءة وعدالة.
لا خلاف على أن تحسين بيئة العمل للموظف العام مطلب مشروع، وأن الإرهاق الوظيفي يؤثر سلبًا في الأداء. غير أن الأدبيات الإدارية الحديثة تميّز بوضوح بين تحسين الرفاه الوظيفي ورفع الإنتاجية المؤسسية. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن تقليص أيام العمل لا يحقق نتائجه الإيجابية إلا في بيئات تتوافر فيها شروط حاكمة، أبرزها وجود أنظمة دقيقة لقياس الأداء، وتحول رقمي يقلل الاعتماد على الإجراءات الورقية، وثقافة مؤسسية قائمة على الإنجاز والمساءلة لا على الحضور الشكلي. في غياب هذه الشروط، يتحول تقليص الزمن من أداة إصلاح إلى عامل ضغط يفاقم الاختناقات الإدارية بدل أن يعالجها.
وتتجلى حساسية القرار بوضوح عند النظر إلى طبيعة الدولة بوصفها مزودًا للخدمة العامة. فالدوائر الحكومية، ولا سيما تلك المرتبطة بحقوق زمنية مباشرة كالأحوال المدنية والقضاء والبلديات والدوائر الضريبية، لا تعمل بمنطق التأجيل. أي تقليص غير مدروس في أيام العمل الفعلي يؤدي إلى تراكم الطلب المؤجل، وازدحام خانق في أيام الدوام، وتأخير معاملات تمس السفر والعلاج والقضايا والالتزامات القانونية. في هذه الحالة، لا تختفي الكلفة، بل تنتقل من الإدارة إلى المواطن، وهو انتقال يخلّ بمبدأ العدالة الإدارية ويقوّض الثقة في الدولة.
أما من زاوية الاقتصاد الكلي، فإن الزمن الإداري يمثل عنصرًا حاسمًا في كلفة ممارسة الأعمال. رأس المال بطبيعته شديد الحساسية للوقت، وتأخير القرارات التنظيمية أو التراخيص ينعكس مباشرة على كلفة الاستثمار، وتوقيت تنفيذ المشاريع، وجدوى استمرارها. في بيئة إقليمية تتنافس فيها الدول على جذب الاستثمارات عبر تسريع الإجراءات وتحسين كفاءة القرار، تصبح البيروقراطية الزمنية عبئًا اقتصاديًا لا يمكن تبريره، حتى لو جاءت تحت مظلة اجتماعية أو وظيفية حسنة النية.
ويبرز البعد الاقتصادي الأعمق للقرار عند تحليل العلاقة بين الزمن والإنتاجية. من منظور اقتصادي، يؤدي تقليص أيام العمل مع بقاء نمط الإنجاز اليومي على حاله إلى ارتفاع التكلفة الحدية للعمل وظهور فائض وظيفي أو بطالة مقنّعة داخل الجهاز العام. هذا الأثر لا يُعد نتيجة حتمية لتقليص الأيام بحد ذاته، بل نتيجة لعدم إعادة تصميم العمليات. فإذا لم تُرفع الإنتاجية اليومية عبر تبسيط الإجراءات، وإعادة هندسة العمل، وربط الأجر والترقية بالأداء، فإن تقليص الزمن سيكشف اختلالات قائمة بدل أن يعالجها. الخلل الحقيقي لا يكمن في تقليص الوقت، بل في محاولة إدارة زمن جديد بعقلية إدارية قديمة.
ويبقى البعد الأخطر للقرار متمثلًا في أثره الرمزي على الثقة المؤسسية. فالدولة، في نظر المواطن والمستثمر، لا تُقيَّم بعدد أيام عطلتها، بل بسرعة استجابتها، وانتظام خدماتها، واحترامها لوقت الناس. ترسيخ صورة الدولة البطيئة أو المترددة في إنجاز المعاملات يرفع الكلفة النفسية والاقتصادية للتعامل معها، ويضعف الامتثال الطوعي للقوانين، ويحدّ من فعالية أي إصلاح لاحق. الثقة هنا ليست قيمة معنوية مجردة، بل أصل اقتصادي غير ملموس يشكّل أحد أعمدة الاستقرار.
من هذا المنطلق، فإن الإصلاح الإداري الرشيد لا يبدأ بتعطيل الدولة، بل بإعادة تنظيم زمنها. البديل الواقعي يتمثل في إدارة ذكية للوقت تضمن استمرارية الخدمة، وتسمح بالمرونة الوظيفية، وتوظف العمل عن بُعد ضمن معايير أداء واضحة، وتُسرّع التحول الرقمي بوصفه شرطًا سابقًا لأي تقليص زمني. عندها فقط يتحول الزمن من عبء إداري إلى أداة إنتاج فعّالة.
إن اعتماد عطلة أسبوعية من ثلاثة أيام في مؤسسات الدولة الأردنية ليس قرارًا بسيطًا أو تقنيًا، بل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على المواءمة بين البعد الاجتماعي والكفاءة الاقتصادية. فالإصلاح لا يُقاس بعدد أيام التوقف، بل بقدرة الإدارة العامة على احترام وقت المواطن، وضمان خدمة منتظمة، وتحقيق إنتاجية حقيقية. الدولة القوية لا تُبنى بتقليص الدوام، بل بإحكام إدارة الزمن.