سرديّة الوطن الكبير .. لا كما يراه السوداويون
محمد مطلب المجالي
09-02-2026 11:23 AM
الوطن ليس منشورًا عابرًا يُنشر على عجل، ولا شعارًا موسميًا يُرفع عند الحاجة ثم يُطوى مع أول مصلحة. الوطن سرديّة كبرى، تشكّلت من عرق أبنائه، ودم شهدائه، وصبر أمهاته، وحكمة رجاله، وتراكم تاريخه الذي لم يُصنع في مقاهي التنظير ولا في استوديوهات الصراخ، بل صُنع في ميادين الشرف ومعامع الرجولة والكرامة. هو الأرض التي حملت على عاتقها عبء البقاء والرسالة، وامتدت جذوره عبر قرون، شاهدةً على حضارات وممالك، واستقبال شعوبٍ وأفكارٍ صنعت المجد.
أخطر ما يواجه الأوطان اليوم ليس الأزمات وحدها، بل أولئك الذين يختزلون الوطن في صورة قاتمة، ويقدّمون أنفسهم أوصياء على الحقيقة، بينما لا يرون منه إلا ما يخدم غضبهم ومصالحهم الضيقة. السوداويون لا يقرأون التاريخ إلا من نافذة التشكيك، ولا يرون الناس إلا جمهورًا للاتهام، ولا يفهمون الدولة إلا خصمًا دائمًا يجب شيطنته. يحاولون إخفاء الحقائق، ويشيطنون الإنجازات، ويحوّلون العمل الوطني إلى ساحة صراعات وهمية، حتى يظن بعض الناس أن الوطن بلا تاريخ، بلا قيم، بلا رجال.
الوطن الحقيقي لا يُبنى بالمزاودات، ولا يُحمى بالتحريض، ولا يُنقذ بالتشكيك الأعمى. لقد بُني برجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وبمؤسساتٍ أخطأت أحيانًا وأصابت كثيرًا، وبمجتمعٍ صبر حين اشتدت عليه المحن، ولم يسلّم نفسه للفوضى ولا لليأس. وطنٌ مبارك بالنص القرآني، وعريق في تاريخه كما ورد في الأحاديث الشريفة، ودوره كبير كما جاء في الأثر، ضم حضارات وممالك، واحتضن شعوبًا ومفكرين صنعوا المجد، وأسسوا قيمًا تركت أثرًا باقياً عبر الزمن.
ما دعاني إلى هذا الموضوع ما أفاضت به ذاكرة الدكتور تامر باشا المعايطة عن السردية الأردنية وعمق تاريخ الوطن المشرف، فكان تذكيرًا بأن الأردن ليس مجرد رقعة جغرافية، بل تجربة حضارية ممتدة، تلتقي فيها معالم التاريخ والدين والثقافة، ويُحتفى فيها برجال صنعوا المستحيل دفاعًا عن كرامة الأرض وكرامة الإنسان.
سرديّة الوطن الكبير لا تنكر الأخطاء، لكنها ترفض أن تجعل منها هوية كاملة. تعترف بالقصور، لكنها ترى أيضًا مساحات الضوء، وتدرك أن البناء عمل تراكمي ومسؤولية مشتركة، لا بطولة لحظة ولا مسرح استعراض. الوطن ليس ملكًا لجيل واحد ولا لفئة محددة، بل ميراث أجيالٍ دفعت ثمن البقاء غاليًا، حتى لا يتحوّل اليوم إلى منصّة تجارب أو مادة للخطاب الغاضب. أخطر الزيف هو زيف الوطنية حين يُسوَّق الهدم على أنه وعي، والتشكيك على أنه شجاعة.
اقرأوا التاريخ جيّدًا، ودقّقوا في صفحاته، ستكتشفون أن وطنكم من أعظم الأوطان، وأن حضارته من أعرق الحضارات، وأن رجاله من أعظم الرجال. فليقل السوداويون ما يشاؤون، أمّا الوطن الحقيقي فسيبقى قائمًا بأهله، تاريخًا حيًّا لا أسطورة سوداء، وبيتًا واسعًا لا ساحة شتائم، وصرخة أمل في وجه كل من حاول تشويه صورته.
الوطن الكبير هو ما نتذكره في كل دمعةٍ على فقدان شهدائه، وفي كل نجاحٍ يرفع علمه عاليًا، وفي كل طفلٍ يولد على أرضه، ليكمل السردية، ويكتب التاريخ بأملٍ وإرادةٍ لا تعرف الاستسلام. هذا هو وطننا، هذا هو مجدنا، وهذه رسالتنا التي لا يمكن للسوداويين أو المتشائمين أن يمحوها.