facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جمالية علم النفس: لغة تفهم الإنسان


آية عويدي العبادي
09-02-2026 05:32 PM

يمثل علم النفس لغة الإنسان من الداخل، فنحن كثيرًا ما ننظر إلى الحياة بوصفها امتدادًا يبدأ معنا وينتهي عندنا، غير أن الوعي النفسي يكشف حقيقة أوسع؛ إذ إن الإنسان جزء من عمر الحياة لا كلّها، ونحن مرحلة في مسار طويل للحياة، والحياة حركة مستمرة قبلنا وبعدنا، وحين يدرك الإنسان هذا المعنى يفهم أن وجوده تجربة يُعاد تشكيلها بالوعي، تجربة يعيشها عبر الشعور، والفهم، وبناء المعنى.

والدخول في الحياة يعني الدخول في مراحل نفسية متتابعة، لكل مرحلة متطلباتها، وصراعاتها، وتحولاتها الداخلية، فالإنسان يمر بتجارب تصنع وعيه كما تصنع جراحه؛ يفرح ويحزن، يقوى ويضعف، يحب ويفقد، وهذه الثنائيات تشكّل بنية أصيلة في الطبيعة الإنسانية، فالألم، والحزن، والتعب ليست انحرافات عن الحياة، بل عناصر تكوينية في التجربة البشرية، والشعور والتجربة حالتان تتكرران داخل الوجود الإنساني ما دام الإنسان حيًّا ويختبر العالم.

وفي هذا العمق تتجلى جمالية علم النفس، فهو علم لا يكتفي بوصف السلوك، بل ينفذ إلى البنية الداخلية للخبرة الإنسانية، ويتعامل مع الألم بوصفه نصًا نفسيًا يحتاج إلى قراءة لا حكمًا يحتاج إلى إدانة، ويتعامل مع الحزن بوصفه حالة دلالية تحمل معنى لا عرضًا يجب إسكاته، فالإنسان لا يحتاج فقط إلى الاحتمال، بل إلى الفهم؛ إلى تفكيك ما يمر به، ومعرفة لماذا وصل إلى ما هو عليه الآن، ومسارات تشكّله، وطبقاته الواعية واللاواعية.

وتكمن جمالية علم النفس في أنه يمنح الإنسان لغة معرفية يتحدث بها عن ذاته، لغة تترجم الشعور إلى معنى، والتجربة إلى وعي، فكثير من المعاناة تتضخم لأنها غير مُفكَّكة، ولأنها بقيت في مستوى الإحساس ولم ترتقِ إلى مستوى الفهم، وحين يجد الإنسان مساحة إصغاء واعٍ يبدأ الألم بالتحول من طاقة مدمّرة إلى مادة معرفية تُعيد بناء الداخل.

وفي المجال العلاجي يتعلّم الإنسان أن كل تجربة تركت أثرًا في بنيته النفسية، وأن هذا الأثر لا يُمحى بالإنكار بل بالوعي، فالتفكيك النفسي للألم يعني تتبّع لحظة تشكّله، وفهم سياقه، واكتشاف الأفكار التي غذّته، والأنماط التي كرّسته، وحين يفهم الإنسان هذه الطبقات لا يعود أسيرًا لتجربته، بل يصبح قادرًا على إعادة صياغتها في وعيه.

وتظهر جمالية علم النفس أيضًا في نظرته التكاملية إلى الإنسان، فالإنسان ليس تشخيصًا، ولا سلوكًا، ولا لحظة زمنية، بل كيان ذو تاريخ، وذاكرة انفعالية، وعلاقات مُكوِّنة، وصراعات داخلية متفاعلة، ولذلك لا يقدّم حلولًا جاهزة، بل يصاحب الإنسان في رحلة وعي تدريجية نحو ذاته؛ رحلة تُعيد ترتيب الداخل، وتُعيد بناء المعنى، وتخفف من حدّة الصراع النفسي.

وحين يمتد هذا الوعي من الفرد إلى البنية الاجتماعية تتغير التربية، وتُفهم الخلافات في جذورها، وتضعف الوصمة المرتبطة بالمعاناة الإنسانية، فكل خطوة في هذا الاتجاه قد تنقذ إنسانًا من وحدة داخلية، أو من انهيار داخلي، أو من قرار قاسٍ اتُّخذ تحت ضغط الألم.

وتكمن جمالية علم النفس في أنه يعيد تعريف القوة، فالقوة ليست إنكار الضعف بل الوعي به، وليست الصلابة الجامدة بل الاتزان الداخلي، وحين يصبح للألم معنى، وللتجربة تفسير، وللمشاعر لغة، يتحول الداخل من ساحة صراع إلى بنية وعي متماسكة.

وهكذا يفهم الإنسان أنه جزء من الحياة وأن وجوده تجربة إنسانية لها بدايات وتحولات لا نهايات مطلقة، وفي هذا الفهم العميق تتجلى جمالية علم النفس بوصفه لغة تفهم الإنسان قبل أن تطلب منه أن يتغير.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :