قراءة نقديّة في مجموعة "بوخارست قبل أن تصرخ" لمصطفى القرنة
12-02-2026 08:36 PM
عمون - قراءة رزان الرابي
في مرحلةٍ أصبحت فيها الكتابةُ أسيرةَ الإيقاعِ السريعِ والحدثِ الصاخب، حيثُ تُختزلُ التجربةُ الإنسانيّةُ في مشاهدَ متلاحقةٍ تُلهِثُ خلفَ الإثارة، يختارُ مصطفى القَرْنَة في عمله «بوخارست قبل أن تصرخ» مسارًا مغايرًا، أكثرَ هدوءًا وعمقًا وتأمّلًا. إنّه لا ينجذبُ إلى اللحظةِ المتفجّرةِ ذاتِها، بل يتوغّلُ في المنطقةِ التي تسبقُها؛ في المسافةِ الحسّاسةِ بينَ التراكمِ والانفجار، بينَ الاحتقانِ والصوت، حيثُ يتشكّلُ المعنى في العتمةِ قبلَ أن يُعلنَ حضورَه في الضوء.
العنوانُ وحده يفتحُ أفقًا دلاليًّا واسعًا؛ فهو لا يقدّمُ حدثًا مكتملًا، بل يضعُ القارئَ في حالةِ انتظار. «قبل أن تصرخ» ليست عبارةً زمنيّةً فحسب، بل حالةٌ وجوديّةٌ تتعلّقُ بلحظةِ التكوينِ الداخليّ للصرخة. هنا تتحوّلُ الكتابةُ إلى مساحةِ ترقّب، ويغدو الصمتُ بطلًا خفيًّا للنصّ؛ صمتًا كثيفًا، ممتلئًا بما لا يُقال، وبما يُؤجَّل، وبما يتراكمُ في الأعماقِ حتّى يبلغَ حدَّه الأقصى.
بوخارستُ في هذا العمل ليست مدينةً محدّدةً على الخريطة، بقدرِ ما هي حالةٌ رمزيّةٌ مشحونةٌ بتاريخٍ من الخوفِ والأسئلة. يمنحُها القَرْنَة بُعدًا يتجاوزُ جغرافيّتَها، فتغدو صورةً لمدنٍ كثيرةٍ عاشتِ التجربةَ ذاتَها، وتحمّلت أعباءَ الصمتِ الطويل. المدينةُ هنا ليست خلفيّةً محايدةً للأحداث، بل كيانٌ حيٌّ يتنفّسُ ويتألّمُ ويترقّب. هي ذاكرةٌ تمشي على أرصفةِ الحكاية، وتحملُ آثارَ ما جرى في شقوقِ جدرانِها وفي وجوهِ ساكنيها.
واحدةٌ من أبرزِ سماتِ النصّ تكمنُ في اشتغالِه على المسكوتِ عنه. فالكاتبُ لا يلجأُ إلى التصريحِ المباشر، ولا يعتمدُ الخطابةَ أو الانفعالَ الظاهر، بل يراهنُ على التلميح، وعلى بناءِ توتّرٍ داخليٍّ متدرّج. السردُ يتقدّمُ بخطًى محسوبة، يُراكمُ الشعورَ طبقةً بعدَ أخرى، ويقودُ القارئَ نحوَ مركزِ القلقِ دونَ أن يدفعَه دفعًا. هذه التقنيةُ تمنحُ العملَ نضجًا سرديًّا واضحًا، وتكشفُ عن وعيٍ فنّيٍّ قادرٍ على إدارةِ الإيقاعِ بحساسيّةٍ عالية.
لغةُ القَرْنَة بدورها تُسهمُ في تثبيتِ هذا العمق. فهي لغةٌ متوازنةٌ، مشغولةٌ بعناية، تخلو من الزخرفةِ المجّانيّة، وتبتعدُ عن التكلّفِ اللفظيّ. العبارةُ عنده لا تُقالُ لمجرّدِ الجمال، بل تؤدّي وظيفةً دلاليّةً دقيقة. تتجاورُ الشعريّةُ مع السردِ دونَ أن تطغى إحداهما على الأخرى، فيتحقّقُ انسجامٌ يُثري النصَّ ويمنحه كثافةً معنويّة. الجملةُ مكثّفةٌ، مشبعةٌ بالإيحاء، لكنها في الوقتِ ذاته واضحةٌ ومتماسكة.
أمّا الشخصيّات، فتظهرُ بوصفِها كائناتٍ مأزومةً تبحثُ عن خلاصٍ ما. هي ليست نماذجَ نمطيّةً تمثّلُ فكرةً محدّدة، بل ذواتٌ حيّةٌ تتقلّبُ بينَ الخوفِ والرغبةِ في الانعتاق. هذا التقديمُ يمنحُها عمقًا نفسيًّا، ويجعلُها أقربَ إلى الإنسانِ الواقعيّ بتناقضاتِه وضعفِه وقوّتِه. القَرْنَة لا يُدينُ شخصيّاتِه، بل يقتربُ منها، يحاولُ فهمَ دوافعِها، ويتركُ للقارئِ مساحةً للتأويل. وهنا تتجلّى إنسانيّتُه السرديّةُ التي تُفضّلُ الفهمَ على الأحكامِ القطعيّة.
من الناحيةِ البنيويّة، يعتمدُ النصُّ على تصاعدٍ داخليٍّ بطيءٍ لكنّه ثابت. لا توجدُ قفزاتٌ حادّةٌ أو مفاجآتٌ مفتعلة، بل حركةٌ شعوريّةٌ تتنامى تدريجيًّا حتّى تبلغَ ذروتَها الرمزيّةَ في فكرةِ الصرخة. هذه الصرخةُ لا تتحقّقُ بوصفِها مشهدًا دراميًّا صاخبًا، بل تظلُّ أفقًا دلاليًّا مفتوحًا؛ احتمالًا قائمًا، وضرورةً وجوديّةً تفرضُ نفسَها. إنّها لحظةُ وعيٍ أكثرَ منها لحظةَ حدث، إعلانٌ داخليٌّ بأنّ الصمتَ لم يعد يحتملُ الاستمرار.
كما يمكنُ قراءةُ العملِ من زاويةِ العلاقةِ بينَ الفردِ والمكان؛ فبوخارستُ لا تؤثّرُ في شخصيّاتِها فحسب، بل تتشكّلُ بهم أيضًا. ثمّة تبادلٌ خفيٌّ بينَ الداخلِ والخارج، بينَ ذاكرةِ الإنسانِ وذاكرةِ المدينة. هذا التداخلُ يمنحُ النصَّ بُعدًا فلسفيًّا، إذ يطرحُ سؤالًا عميقًا حولَ طبيعةِ الخوفِ الجماعيّ، وكيفَ يتحوّلُ إلى حالةٍ مشتركةٍ تتوارثُها الأجيال.
إنّ «بوخارست قبل أن تصرخ» لا يكتفي بتقديمِ حكاية، بل يفتحُ مساحةً للتفكيرِ في معنى الصمت، وفي اللحظاتِ التي نؤجّلُ فيها المواجهةَ حتّى تصبحَ المواجهةُ قدرًا. العملُ يذكّرُنا بأنّ الانفجاراتِ الكبرى لا تبدأُ فجأةً، بل تُنسَجُ خيوطُها في الظلّ، بصمتٍ طويل، وبانتظارٍ ثقيل.
في المحصّلة، يثبتُ مصطفى القَرْنَة من خلالِ هذا النصّ أنّه صاحبُ مشروعٍ سرديٍّ واعٍ، يستندُ إلى رؤيةٍ فكريّةٍ متماسكةٍ وحسٍّ إنسانيٍّ عميق. إنّه يكتبُ ببطءٍ مقصودٍ في زمنِ السرعة، ويختارُ التأمّلَ في زمنِ الضجيج، ويمنحُ القارئَ تجربةً لا تُستهلكُ سريعًا، بل تبقى قابلةً لإعادةِ القراءةِ والتأمّل.
إنّها تجربةٌ تؤكّدُ حضورَه في المشهدِ السرديّ المعاصر، وتدلّ على أنّ الأدبَ الحقيقيَّ ليس ما يصرخُ أوّلًا، بل ما يُصغي طويلًا، ثمّ يتركُ أثرَه يتردّدُ في الوعي والوجدان.