السردية والرواية الوطنية الأردنية
أ.د. هيثم العقيلي المقابلة
13-02-2026 04:42 PM
السردية الوطنية ضرورة للانتقال من مرحلة تعايش بين الهويات الفرعية الى شراكة وطن و مصير واحد اي انها بناء للشخصية الوطنية التي تؤمن ان الاردن كان منطقة استقرار و تفاعل بشري جغرافي منذ الآف السنين. كل الدول في المنطقة تغير فيها السكان عبر الآف السنين لكن مواطنيها هم ورثة تاريخها فالمصريين اليوم ليس بالضرورة ان يكونوا احفاد الفراعنة و لكنهم ورثة الحضارة الفرعونية و الطليان او اليونان اليوم قد لا يكونوا يمتوا جينيا للرومان و الاغريق و لكنهم ورثة هذه الحضارات.
هذه بديهية ولكن الاردن كان مستهدفا بها دون غيره من الدول بمحاولة قطعه عن ارثه الحضاري التاريخي و محاولة تكوين صورة نمطية بأن الاردن فقط هو نتاج سايكس بيكو رغم ان كل دول اسيا و افريقيا و الدول المحيطة بنا هي نتاج تلك التقسيمة.
السردية تختلف عن الرواية التاريخية الموثقة بأن الاولى سرد للتاريخ بحقائقه و اساطيره في حين ان الرواية التاريخية الموثقة تنتقي من السردية ما يثبت بالادلة سواء بالكتابة او الاثر و هذا بالتاكيد لا ينفي ان الكثير من احداث السردية صحيح ينتظر اكتشاف الادلة.
السردية الاردنية تنقسم الى ثلاث مراحل اساسية الاولى قبل الاسلام و الثانية من ظهور الاسلام الى نشوء الدولة بهويتها السياسية و الثالثة هي قيام الدولة بشقيها الهوية الوطنية و الرسالة الهاشمية. كل من هذه المحاور طبعا ستنقسم الى عناوين فرعية.
المرحلة الاولى قبل الاسلام لا بد ان تحتوي على اقدم سد مائي في جاوا و اقدم رغيف خبز مكتشف في شرق المفرق و اقدم فن بشري في عين غزال و اقدم مصائد حيوانية في جنوب الاردن. هذه مراحل انتقال الانسان من صائد لاقط الى الزراعة الى المرحلة المتقدمة من الزراعة بادارة الموارد المائية الى المرحلة المتقدمة من الاستيطان البشري و الاستقرار بانتاج الفنون. ثم يأتي اقدم نقش للحروف العربية التي انتقلت من الكتابة بالسريانية و الصفائية الى النبطية ثم العربية الحديثة و اول ذكر للعرب في مخطوطة شلمنصر الآشوري و الملك جندب العربي. ثم مملكة الانباط و التي كانت مرحلة ما بعد الاستيطان و الزراعة بامتهان التجارة و دولة تمثل عقدة الخطوط التجارية بين الشرق و الغرب تمتد من دمشق الى مدائن صالح و تشمل سيناء و عاصمتها سلع او البتراء. طبعا بالاضافة للممالك التي مرت مثل العمونيين و الاموريين و الملك ميشع و مسلته.
المرحلة الاسلامية التي تمر من طريق البشارة بالنبي العربي الى المعارك الفاصلة في مؤته و اليرموك الى ترجيح العشائر القضاعية الاردنية كفة الامويين الى انطلاق دعوة العباسيين من الحميمة الى طرق الحج الشامي و المصري الى المشاركة في صد الصليبيين و المغول.
اما مرحلة الاردن الحديثة بهويتها السياسية و التي كانت مطلب مجتمعي و ليس فرض خارجي وظيفي كما حاول البعض تصويره. مؤتمر ام قيس واضح بمطالبته بدولة وطنية يتزعمها امير هاشمي بل فيه مطلب متقدم و هو منفذ على البحر المتوسط بضم مرجعيون للدولة الاردنية.
ثم الانصهار بين الهوية الوطنية و الرسالة الهاشمية و الدفاع عن القضايا العربية و الاسلامية فالمعركة الوحيدة التي خاضتها الاردن دفاعا عن ارض الاردن هي معركة الكرامة اما باقي الحروب فهي دفاعا عن اراضي و شعوب عربية من منطلق الالتزام القومي و الهاشمي.
القومية العربية انطلقت في مرحلتها الاولى بالثورة العربية الكبرى ضد تيار القومية في الدولة العثمانية التي بقيت شكلا و ليس جوهر في اخر قرن لها. كانت حركة قومية عربية بنظام و ثقافة ملكية او خلافة لا فرق والمواءمة بين الدين و العروبة و نظام ملكي مستقر كان هوية لها و ليس كما تم تشويهها بفكر يساري مستورد.
في المقالة القادمة اكتب عن الوطنية و المواطنة و روح المواطنة و الهوية الثقافية و الهوية السياسية لانني ارى خلطا في هذه المفاهيم ينتج خلافا لا داعي له في حين وضع هذه المصطلحات في اطارها الحقيقي هو اداة تعزيز لللحمة الداخلية.