facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الحدود أولاً


أ.د وفاء عوني الخضراء
06-02-2026 07:17 PM

في الأشهر الأخيرة، اتجهت دولٌ عديدة إلى تقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة. وقد بدا القرار، في ظاهره، إجرائيًا أو تقنيًا، لكنه في جوهره اعترافٌ عالميّ بأننا إزاء تحوّل إنساني عميق لا يُواجَه بأدوات جزئية أو حلولٍ معزولة. فالمسألة ليست "منعًا" بقدر ما هي إعادة تفكير شاملة في علاقتنا بالعالم، وبالطفولة، وبالمجال العام.

خلال العقدين الأخيرين، تغيّرت البيئة التي نشأ فيها أطفالنا على نحوٍ جذري. الأحياء المفتوحة الآمنة تحوّلت في المدن الكبرى إلى بيوتٍ مغلقة كالصناديق. ساحات اللعب والحدائق والطبيعة استُبدلت بشاشاتٍ وأجهزة ولوحات رقمية. انتقل الأطفال من الحركة والتفاعل والتجربة الحيّة إلى الجلوس الطويل الصامت والمنعزل. هذا التحوّل لم يكن تقنيًا فحسب؛ بل تربويًا ونفسيًا ومعرفيًا، أعاد تشكيل علاقة الطفل بالجسد، وباللغة، وبالآخر.

كانت الجدّات والجدود يروون الحكاية، فيتشكّل الخيال، وتتكوّن القيم، وتُبنى العلاقة مع المعنى. اليوم تُباع الحكاية على هيئة مقاطع سريعة وإيقاعات مصطنعة وخوارزميات موجهة. ومع هذا التحوّل، لم يتقلّص زمن الانتباه فقط؛ بل تقلّصت معه القدرة على التعلّم العميق، والصبر، والتخيّل، وبناء المعنى من التجربة المباشرة.

تشير دراسات علم الأعصاب والتربية الحديثة إلى أن الاعتماد المفرط على الشاشات في الطفولة المبكرة يغيّر مسارات النمو العصبي، ويضعف مهارات التنظيم الذاتي، ويزيد قابلية الدماغ للإدمان السلوكي. الدماغ، بدل أن ينمو عبر التفاعل الحسي والحركي والاجتماعي، يبدأ في تفويض وظائفه لأدوات خارجية. هذا التفويض المبكر يخلق أنماط تعلّق قهري: بالشاشة، بالاستهلاك الصامت وبكل أشكاله، بالعزلة،الخ. طفلٌ ينشأ على التلقّي لا الفعل، وعلى الاستهلاك لا المشاركة، يصبح أكثر هشاشة أمام العالم.

من هنا، لا يُطرح النقاش حول تنظيم الفضاء الرقمي بوصفه جدلًا أخلاقيًا ضيقًا أو ممارسةً رقابيةً تقليدية، بل باعتباره سؤالًا بنيويًا عن إعادة تعريف (الحدود): حدود تُصاغ بوصفها حمايةً واعية لا قمعًا مقنّعًا. فالحدود التربوية ليست انتقاصًا من حرية الأطفال والشباب، بل بوصلة قيمية تُعلِّم الفرد أن الحرية بلا ضوابط تتحوّل إلى فوضى، وأن السلوك حين ينفلت يحتاج إلى إيقاعٍ يعيده إلى مساره الإنساني السليم.

نحن بحاجة إلى حدود تربوية ذكية، ومساحات لعب آمنة، وتعليم يعيد وصل الجسد بالعقل، ويحرّر المعرفة من هيمنة الشاشات في مراحل الطفولة وتشكّل الهوية، ويعيدها إلى التجربة الحيّة: الرياضة، والفنون، والطبيعة، والعمل التطوعي بوصفها أدوات تكوين أساسية لا أنشطة تكميلية. كما نحتاج إلى مدارس وجامعات تدرك أن الصحة النفسية ليست ترفًا مؤسسيًا ولا استجابة ظرفية للأزمات، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني وبناء الإنسان المتوازن القادر على حماية ذاته ومجتمعه في آنٍ واحد.

الأردن، رغم التحديات الاقتصادية وتسارع التحوّلات، يمتلك رصيدًا مهمًا في مقاربة الإنسان بوصفه جوهر السياسات العامة. تاريخيًا، لم تُصَغ السياسات التربوية والاجتماعية بمعزل عن النسيج المجتمعي، بل ضمن رؤية ترى في الإنسان محور التنمية ومعناها. اليوم، وفي عالم يتغيّر بوتيرةٍ متسارعة، تبرز الحاجة إلى استعادة هذا المنطق التكاملي: من البيت إلى المدرسة، إلى الجامعة، إلى الحيّ، وصولًا إلى تخطيط الفضاءات العامة. فالعالم منظومة واحدة وبيئة مترابطة، وأي خلل في أحد مكوّناتها لا يبقى محصورًا، بل ينعكس على الكل.

ما نحتاجه حقًا هو إعادة فتح مراكز الشباب لا كمبانٍ صامتة، بل كفضاءات حياة: للرياضة، والابتكار، وريادة الأعمال، والتجريب العلمي، والفنون، وبناء الشخصية. في إربد، حيث نشأت، شكّل مركز شابات إربد وعيَنا المبكر؛ تعلّمنا تنس الطاولة، والدبكة، والخطابة، وكتابة القصة، في بيئةٍ حاضنة صنعتها قيادة مؤمنة بالشباب، جسّدتها مديرة المركز آنذاك ناريمان الروسان. كبرنا وتكوّنّا، ووصل كثيرون منا إلى مواقع المعرفة والتأثير. هكذا تُبنى المجتمعات: باستثمارٍ ذكي في الإنسان، وبمساحات مفتوحة تُعيد للشباب المعنى والانتماء والأمل.

صحيحٌ أن المدن الصغيرة تتحوّل طبيعيًا إلى مدنٍ كبرى بخدمات أوسع وأنماط استهلاك أعلى، وأن تراجع الدكّان الصغير وساحات اللعب ومراكز الشباب لصالح محطات الوقود والمقاهي والمتاجر الكبرى جزء من المسار الحضري العام. لكن التجارب العالمية تؤكد أن المدن الناجحة لا تُبنى على الاستهلاك وحده، بل على توازنٍ واعٍ بين ما ننتجه وما نستهلكه، وبين النمو الاقتصادي والصحة النفسية والجسدية للسكان.

في هذه المدن، تُستعاد ساحات اللعب التي فقدناها، ويُعاد إحياء مراكز الشباب، وتُفتح مسارات الدراجات والمشي، وتُنشأ حدائق تضم ملاعب مفتوحة، ومختبرات ابتكار، وورش فنون، وحواضن ثقافية حيّة للأطفال والشباب.

وحين يتكامل الخيال الإبداعي والتفكير المستقبلي مع الموروث والتراث، ويهتدي التخطيط المستدام بالقيم، تنمو المدن دون أن تفقد روحها، ويُصان معنى الوطن بوصفه فضاءً للانتماء والعمل والمسؤولية المشتركة، لا مجرد ساحة للاستهلاك.

ومن هذا المنطلق، يغدو تنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال في الأردن ضرورة وطنية وتربوية: لحماية الوعي الجمعي، وصون النشء من الاستلاب الرقمي، وضمان أن يبقى الفضاء العام، الواقعي والافتراضي، مساحة لبناء الإنسان الأردني، لا لتفكيكه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :