قالَ لها ذاتَ غيابٍ: في غيابِك أشْعرُ باليتمِ وأنتِ؟
قالتْ: أما اليتمُ فقدْ شربتُه كؤوسًا متْرعةً، وأمَّا غيابُك فيا لَأيامي إنْ مسَّ طَيْفُكَ جِذْعَها يَسَّاقَطُ الفرحُ رُطَبًا جَنيَّا.
قالَ: حينَ تعودينَ يَحدثُ تمامًا أنْ يترتَّبَ داخلي؛ كأنَّ صدري كانَ يعيشُ فوْضى غيابِك.
قالتْ: حينَ تغيبُ يظلُ في انتظاركَ مهرجانُ الأبجديَّة، وحينَ تأتي ترافقُكَ طواويسُ تتبعُها أيائل.
قالَ: يعشقُك الأطفالُ والنَّوارسُ، وموجُ البحرِ والسُّحبُ الماطراتُ، فأيُّ حزنٍ يُمطرُ الكونُ إذْ تغيبين؟!
قالتْ: كلُّ نسيمٍ لا يأتي بعطرِكَ شَغَبٌ على هذا الوجودِ، منْ بسماتِكَ تُعلَنُ مواسمُ الفرحِ، وحينَ تغضبُ سأعلنُ هذا الكونَ منطقةً منكوبةً، وحدَه رضاكَ يعلنُه سلامًا أخضرَ لكلِّ الفصولِ.
قالَ: أتدرينَ لماذا لا أجيدُ أنْ أقولَ لكِ شيئًا في العيدِ؟ ربَّما لأنَّني مذْ عرفتُكِ كلُّ أيامي معكِ عيدٌ، ولمْ يَجدَّ عليَّ جديدٌ.
قالتْ: أشكوكَ في محكمةِ الوردِ كلَّما نأى عطرُك أو غابَ، ينصفُني الياسمينُ على جيدِكَ، والبنفسجُ في عينيكَ، يتهادى العبيرُ فيالقَ تحرسُ هذا المدى.
قالَ: وكيفَ تشكينَ للوردِ وأنتِ مليكتُه؟! من الياسمينِ على جبينِكِ تاجٌ، ومن النَّرجسِ في يمينِكِ صولجانٌ، ها إنَّهُ السِّنديانُ عرشٌ، وإذْ يخرُّ الزَّهرُ سجودًا، لكِ كرنفالُ هذي الحدائقِ، لكِ مواكبُ هذا الشَّذا.
قالتْ: أنتَ يا موسيقا الكوْنِ، يا سمفونيَّةَ الوجودِ، مهرجانٌ لفينوسَ تُعلنُ الكائناتُ حينَ تأتي؛ فأيُّ نغمٍ يبقى في النَّايِ حينَ تَهمسُ؟ لكَ أنتَ، وحدَك أنتَ، كلُّ هذا الضَّجيجِ، وكلُّ هذا الهَسيسِ!
قال: ما زلتُ أراكِ في الرابعةِ والعشرين وأسرابٌ من الطواويسِ تسيرُ وراءَكِ.
قالَت حينَ نبتَ في قلبِها غصنٌ أخضرُ، وسالَ العمرُ أنهارًا منْ عسلٍ لِذَّةً للشّاربين: يحدثُ أحيانًا أنْ آتيَ في الليلةِ الباردةِ، أحملُ الشَّوقَ غصنًا أزرعُهُ على أعتابِك، فينفرطُ الحُبُّ رُمَّانًا يُدفِّئ هذي القِفارَ.... هكذا أصنعُ من الحُبِّ فَصْلًا خامسًا.
وحينَ غابَ ما زالت تردِّدُ:
لم يكنْ حُلمًا ذاكَ الذي عَبرَ المدى ذاتَ صيفٍ، كانَ مزيجًا منْ عبيرِ بنفسجٍ ورحيقِ أرجوانِ، وحينَ استفاقا على حبٍّ انقشعَ له الضَّبابُ، وهلَّت الغيماتُ ورداتٍ منْ غزلٍ، قالَ: صفيني.
قالتْ: طاووسٌ يُراقصه قوسُ قُزحٍ.
قالتْ: صِفني. قالَ: تمرةٌ اجتمعتْ لها بركاتُ الخوابي وحكايا المَساءِ.
منْ يومهِا وما زال السِّنديانُ والصَّفصافُ في عناقِ وجْدٍ ما انتهى.
كعصفورٍ ألفَ الغُصنَ، وغصنٍ أضناه الغيابُ، وغيابٍ تمنَّى لوْ أنَّه حطَّ رحالَه؛ ليهجعَ ذاتَ مغيبٍ أهذي لقرصِ الشَّمسِ كلَّما سقطَ وراءَ الشَّفَق أغذُّ السَّيرَ وراءَه: مولايَ أنت هلْ لي بأنْ أترسَّمَ خطاك؟ أصعدُ معك لعلَّي أراهمُ بين النَّجمات هناك وأعودُ معكَ؛ لأبدأَ الحُلمَ منْ جديدٍ.
هذا عِطرُ الخُزامى إذ يعمُّ الكونَ، وذاكَ مطرُ تشرينَ إذْ ينهمرُ دافقاً على روضةٍ تضمُّ عينيكَ... خُزامى ومطرٌ وتشرينُ وعيناك، تلكَ حكايةُ الكونِ تامَّةً تامَّةً، وما أنا إلا رسولةُ العطرِ.
وما زلتَ قربي تبتسمُ، تلك الضِّحكةَ الرَّائعةَ، تُشاركُني الدّرسَ والمقعدَ والهواءَ والطَّريقَ، تشاركُني الفراغَ، تطلُّ عليَّ وتبتسم، وحينَ انتبذتَ مكانًاً قصيًّا، ما زلتُ أراكَ، منْ بعيدٍ أراكَ، منْ قريبٍ أراكَ، تُطلُّ عليَّ وتبتسمُ.