facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صرخة جوع في وجه حكومةٍ لا تسمع ..


محمود الدباس - أبو الليث
16-02-2026 09:38 AM

في هذا البلد.. حين يقترب رمضان.. لا تضاء القلوب بالفوانيس فقط.. بل تُضاء أيضا دفاتر الديون.. وتُفتح كشوف الأقساط.. وتُعدّ الأيام كما تُعدّ حبات الدواء لمريض يخشى أن تنفد قبل آخر الشهر.. وكأن الشهر لم يعد موعد عبادة.. بل موعد مواجهة مع العجز..

المواطن الأردني لا ينتظر الهلال.. بقدر ما ينتظر المعجزة.. يقف عند باب بيته يقدم قدما.. ويؤخر الثانية.. يتأمل وجوه أطفاله التي تتزين بالأمنيات.. لا يطلبون المستحيل.. قطعة حلوى.. لعبة بلاستيكية بسيطة.. ثوب جديد.. ينظر إليهم.. ثم يتفقد جيبه.. كما لو أنه يبحث عن كرامته فيها.. لا عن نقود فقط.. وكأن الكرامة نفسها أصبحت عملة نادرة..

هناك أب.. يحسب ثمن الزيت.. والسكر.. والأرز.. والشاي.. كما لو أنه يحسب أعمار أولاده.. يخشى أن يخطئ في الجمع.. فيُسقط رغيفا من المائدة..

وهناك أم.. تؤجل شراء ثوب العيد.. لتخيط من صبرها ثوبا جديدا لابنتها.. تخفي دمعتها.. كي لا ترى الصغيرة الفرق بينها وبين صديقاتها..

وهناك جدّان.. يتعكزان على أمل.. أن الابن الذي تعبا في تربيته.. سيحملهما اليوم من ضيق إلى سعة.. فإذا به مثقل بما لا يُحمل.. يحملهم في قلبه.. ولا يملك أن يحملهم في واقعه..

نعلم أن رمضان ليس موسما للمباهاة.. بل هو موسم للسكينة.. للصلة.. للطمأنينة.. لكنه حين يأتي محملا بارتفاع الأسعار.. وبرواتب تأكلها القروض قبل أن تلمسها الأيدي.. يتحول عند كثيرين إلى امتحان قاس للقدرة على الاحتمال.. لا للقدرة على الصيام.. وكأن الجوع هنا ليس جوع النهار فقط.. بل جوع الكرامة طوال العام..

أيها السادة في كافة مواقع القرار.. حين تزفون خبرا عن تقديم الرواتب ثلاثة أيام..
هل تظنون أن البركة تُخلق بالتقويم؟!..
وهل تعتقدون أن الراتب سيتضاعف؟!..

أبشركم.. إن الراتب لا يصل إلى البيت.. بل يُسلَّم على باب البنك قبل أن يراه الأطفال.. يُقتطع منه كل شيء.. ولا يبقى منه إلا فتات لا يكفي لطمأنة قلب أب..

فالراتب حين ينزل.. لا يمكث في الحساب.. إلا بقدر ما تمكث قطرة ماء على صفيح ساخن.. ثم يتبخر في أقساط.. وقروض.. وفواتير.. ويعود المواطن إلى الصفر.. بل إلى ما دون الصفر.. يعود مثقلا بشعور أنه يعمل ليبقى واقفا في المكان ذاته..

القضية ليست في يوم الخميس.. أو الأحد.. القضية أن جيب المواطن أصبح ممرا إجباريا لكل شيء.. إلا للفرح.. حتى الابتسامة أصبحت مؤجلة.. حتى الطمأنينة صارت دينا جديدا يضاف إلى بقية الديون..

إن كنتم لا تستطيعون زيادة الرواتب.. أو صرف مبلغ معقول للموظفين والمتقاعدين.. فافتحوا نافذة هواء في جدار الديون.. راقبوا الأسواق كما تراقبون الانتقادات.. فالسعر حين يرتفع لا يعود بسهولة.. والغلاء حين يستقر.. يستقر في قلوب الناس قبل جيوبهم..

رمضان في وجدان الناس عبادة وفرح بسيط.. مائدة تجمع ما تيسر.. صلاة تطمئن القلب.. زيارة تصل الرحم.. لكنه اليوم يطرق أبوابا منهكة.. يخاطب جيوبا خاوية.. ويستأذن كرامة مجروحة.. وكأن البيوت تستقبله باعتذار مسبق..

وهنا الخطر الحقيقي.. أن يتحول الشهر الذي ينتظره الناس بالدعاء.. إلى شهر يتمنون امورا خوفا من العجز.. لا كرها فيه.. بل رهبة من امتحان لا يملكون أدواته.. أن يصبح الهلال موعد قلق.. لا موعد شوق..

الحكومة في أصلها ليست خصما.. لكنها مسؤولة.. وهي الخادم للشعب.. والمسؤولة عن راحته.. ومسؤوليتها لا تقاس بعدد البيانات.. بل بقدرتها على أن تجعل المواطن.. يشعر أن هناك مَن يحمل عنه بعض الحمل.. لا مَن يضيف حملا جديدا كل صباح.. أن يشعر أن صوته مسموع.. وأن جوعه ليس رقما في تقرير..

لا تجعلوا رمضان رقما في رزنامة مالية.. اجعلوه فرصة لإعادة التوازن بين مَن يكد.. ومَن يملك القرار.. بين مَن ينتظر الراتب ليعيش.. ومَن ينتظر التقارير ليعلن إنجازا.. فالإنجاز الحقيقي.. أن ينام طفل شبعانا.. لا أن ينام تقرير مكتوبا بإتقان..

الناس لا تطلب المستحيل.. تطلب أن تعيش بكرامة.. أن تشتري خبزا.. دون أن تحسب عدد الأرغفة.. أن تفرح بقدوم الشهر.. دون أن تخشى نهايته.. أن تقول اللهم بلغنا رمضان.. وهي مطمئنة.. لا مرتجفة.. وتدعوا أن لا يبلغها رمضان..

إن لم يكن هذا دور الدولة ككل.. فماذا يكون دورها؟!.. وإن لم يكن هذا وقت الانحياز للمواطن.. فمتى يكون؟!..

رمضان قادم.. فإما أن يدخل البيوت ضيفا كريما.. أو يدخلها شاهدا على عجزٍ كان يمكن تداركه.. والقرار بأيديكم..

فهذه صرخة جوع.. لا تُقدّموا الرواتب.. بل قدّموا الكرامة..





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :