وقفة مع الزيارة التاريخية للأمير وليام الى السعودية
السفير د. موفق العجلوني
16-02-2026 09:46 AM
في سياق التحولات الدولية المتسارعة وتعاظم أهمية الشراكات الاستراتيجية بين الدول الفاعلة، جاءت زيارة صاحب السمو الملكي الأمير ويليام، ولي عهد المملكة المتحدة، إلى المملكة العربية السعودية، لتعكس عمق العلاقات التاريخية بين البلدين، وتؤكد في الوقت ذاته على إرادة سياسية مشتركة للانتقال بهذه العلاقات إلى آفاق أكثر شمولًا وتنوعًا.
وقد حظي سموه باستقبال رسمي رفيع المستوى من قبل صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في مشهد يعكس ما توليه القيادة السعودية من تقدير خاص للعلاقات مع المملكة المتحدة، وما تحمله هذه الزيارة من دلالات استراتيجية تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى أبعاد سياسية واقتصادية وثقافية عميقة.
وان اختيار الدرعية التاريخية، مهد الدولة السعودية الأولى وأحد أبرز مواقع التراث العالمي المسجلة في منظمة اليونسكو، كمحطة رئيسية في برنامج الزيارة، لم يكن اختيارًا عابرًا. فالدرعية تمثل رمزًا للهوية الوطنية السعودية وعمقها الحضاري، وتعكس في الوقت ذاته الرؤية السعودية الطموحة لإحياء الإرث الثقافي وتحويله إلى رافد تنموي وسياحي مستدام ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.
إن اطلاع الأمير ويليام على الطراز المعماري النجدي الأصيل وقصص تأسيس الدولة السعودية يبعث برسالة واضحة مفادها أن المملكة تمضي في تحديثها وانفتاحها من منطلق راسخ يستند إلى تاريخ عريق وجذور ثابتة. وهذا التوازن بين الأصالة والمعاصرة يشكل أحد أبرز عناصر الجاذبية السعودية .
بنفس الوقت فقد حملت زيارة العُلا ومواقعها الطبيعية والأثرية بعدًا إضافيًا، خصوصًا في ظل الاهتمام الذي يوليه الأمير ويليام لقضايا البيئة والاستدامة. فالعُلا، بما تحتضنه من إرث حضاري ومشاريع بيئية رائدة، تجسد نموذجًا سعوديًا متقدمًا في إدارة المواقع التراثية وحمايتها وفق معايير عالمية.
هذه المحطات عززت الصورة الإيجابية للمملكة كوجهة سياحية ثقافية وبيئية واعدة، ورسخت مكانتها في خريطة السياحة العالمية، لا سيما مع التسهيلات الكبيرة التي تقدمها المملكة للزوار والاستثمارات السياحية. كما أن حضور شخصية دولية بحجم ولي عهد المملكة المتحدة يسهم في تعزيز الثقة الدولية بالتحول السعودي ويمنح القطاع السياحي دفعة معنوية وإعلامية مهمة.
العلاقات السعودية – البريطانية، هي شراكة متجددة تمتد تاريخيًا، لعقود طويلة من التعاون السياسي والاقتصادي والأمني. غير أن المرحلة الحالية تشهد تطورًا نوعيًا في طبيعة هذه العلاقة، حيث تتقاطع المصالح في مجالات الاستثمار، والطاقة النظيفة، والتعليم، والتقنيات الحديثة، إضافة إلى التنسيق في القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
إن اللقاء بين سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وسمو الأمير ويليام يعكس إرادة قيادية لتعزيز هذا المسار، وترسيخ شراكة تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وتواكب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.
وفي هذا الإطار، تبرز أيضًا أهمية الدور الذي يؤديه سعادةً السفير البريطاني لدى المملكةً العربيةً السعوديةً ستيفن تشارلز هيتشن ، صاحب الشخصية المحببة و خاصة باللغة العربية الفصحى و اتقانه للهجة السعودية و لهجات عربية أخرى كالأردنية و المصرية ، وًمن خلال انخراطه الثقافي وتواصله باللغة بهذه الطلاقة و هذا الذكاء يعكس إدراكًا بعمق اللغة العربية و خاصة الثقافة السعودية وخصوصيتها. إن توظيف اللغة في العمل الدبلوماسي " وًمن خلال تجربتي الشخصية في العمل الدبلوماسي خلال ٣٥ عاماً، فاللغة ليس مجرد أداة تواصل، بل هي رسالة تقدير واحترام تسهم في بناء جسور الثقة وتعزيز التقارب بين الشعوب.
ومن المنتظر أن تترك هذه الزيارة أثرًا إيجابيًا على مسار العلاقات الثنائية، سواء على مستوى توسيع الاستثمارات المتبادلة، و تعزيز التعاون في مجالات الثقافة والتعليم والبيئة، و دعم الحوار السياسي في الملفات الإقليمية والدولية.
كما أن الزيارات الملكية البريطانية للمنطقة، بما في ذلك الزيارات السابقة لأفراد من العائلة المالكة إلى دول مثل الأردن، تعكس اهتمامًا بترسيخ الحضور البريطاني في الشرق الأوسط عبر مسارات دبلوماسية ناعمة تعزز الاستقرار والشراكة طويلة الأمد.
إن زيارة الأمير ويليام إلى المملكة العربية السعودية تمثل محطة مهمة في مسار العلاقات السعودية–البريطانية، وتجسد نموذجًا للدبلوماسية الحديثة التي تجمع بين الرمزية التاريخية والرؤية المستقبلية. كما تعكس المكانة المتقدمة التي تحتلها المملكة اليوم على الساحة الدولية، دولةً ذات ثقل سياسي واقتصادي وثقافي، تمضي بثقة نحو تحقيق مستهدفاتها التنموية، وترحب في الوقت ذاته بشراكات متوازنة تقوم على الاحترام والتكامل والمصالح المشتركة.
هذا الحراك الدبلوماسي يعزز موقع المملكة العربية السعوديةً كشريك محوري في المنطقة والعالم، و هذا مبعث فخر و اعتزاز لنا في الاردن . ويؤكد أن العلاقات السعودية–البريطانية تدخل مرحلة جديدة من النضج والتكامل، عنوانها التعاون البنّاء والرؤية المشتركة لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا.