الشرق الأوسط في قلب انهيار الشرعية الغربية
سامي شريم
16-02-2026 07:08 PM
لم تعد الفضيحة التي هزت النخب الغربية شأنا داخليا يخص الولايات المتحدة أو أوروبا وحدهما بل تحولت إلى لحظة مفصلية أعادت طرح سؤال الشرعية على مستوى النظام الدولي بأكمله فالشرق الأوسط كان دائما ساحة اختبار للقيم التي يرفعها الغرب وحين تتهاوى هذه القيم في عقر دارها يصبح تأثير الانهيار مضاعفا في منطقة دفعت ثمنا باهظا باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار
الطرح الذي قدمه المفكر الروسي ألكسندر دوغين لا يمكن عزله عن واقع الإقليم إذ يرى أن الغرب فقد أهليته الأخلاقية للقيادة وأن ما انكشف ليس خللا عابرا بل بنية سلطوية تحمي الجريمة وتستثمر فيها هذا التوصيف يجد صداه في ذاكرة الشرق الأوسط حيث استخدمت شعارات القيم لتبرير حروب وتدخلات وتفكيك دول دون مساءلة حقيقية
المنطقة شهدت خلال العقدين الماضيين نمطا متكررا من السياسات الغربية التي تجمع بين الوعظ العلني والممارسة الميدانية العنيفة من العراق إلى ليبيا إلى سوريا وصولا إلى فلسطين هذا التناقض صنع فجوة ثقة عميقة بين شعوب المنطقة والخطاب الغربي ومع انكشاف الفضائح الأخيرة لم يعد هذا الشك مجرد موقف سياسي بل تحولا ثقافيا ونفسيا يعيد تعريف صورة الغرب في الوعي الجمعي
في هذا السياق تبرز حالة دونالد ترامب بوصفها رمزا لتآكل الهيبة الأميركية فالرجل يقدم نفسه كصاحب قرار كوني بينما تعجز إدارته عن وقف حرب واحدة في الإقليم من غزة إلى لبنان واليمن هذا العجز المقترن بالاستعراض الإعلامي عمق الانطباع بأن القيادة الأميركية لم تعد قادرة على إدارة النظام الدولي كما كانت تدعي
الموقف الإيراني الرافض للانخراط في لقاءات شكلية مع واشنطن يعكس قراءة مختلفة لموازين القوة فحين يعلن علي خامنئي رفضه للقاء الرئيس الأميركي فهو لا يوجه رسالة بروتوكولية بل يؤكد أن الشرعية لم تعد تمنح تلقائيا وأن التفاوض لم يعد امتيازا بحد ذاته هذا السلوك يمنح طهران وزنا سياسيا يتجاوز إمكانياتها الاقتصادية ويكشف في المقابل هشاشة مواقف عربية تسارع إلى طلب الرضا الأميركي رغم تراجع نفوذه
التحول الأخطر يتمثل في انتقال مركز الثقل من فكرة التحالف مع الغرب إلى فكرة إدارة التوازن معه دول عدة في الشرق الأوسط بدأت تدرك أن الرهان الأحادي لم يعد آمنا وأن تنويع الشراكات مع روسيا والصين وقوى آسيوية أخرى لم يعد خيارا أيديولوجيا بل ضرورة استراتيجية هذا ما يفسر صعود خطاب السيادة والاستقلال في السياسات الإقليمية وتراجع القبول بالتدخل الخارجي مهما كانت مبرراته
غير أن هذا التحول لا يخلو من المخاطر فغياب مرجعية أخلاقية دولية واضحة قد يفتح الباب أمام فوضى القوة إن لم يترافق مع بناء نظم إقليمية قادرة على إدارة الخلافات ومنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة الشرق الأوسط يقف اليوم بين فرصتين إما الاستفادة من تراجع الهيمنة لبناء توازنات جديدة أكثر عدلا أو الوقوع في فراغ استراتيجي تستغله صراعات النفوذ
من هنا تكتسب أطروحة التوازن أهميتها وخطورتها معا فهي تفسر الواقع لكنها تميل إلى الحتمية الصدامية التي قد تبرر العنف بدل الاحتواء .
المطلوب من دول المنطقة ليس استبدال وصاية بأخرى بل الاستثمار في لحظة التحول لبناء قرار إقليمي مستقل يعالج أزمات الاقتصاد والحوكمة والأمن بعيدا عن الاستقطاب الدولي الحاد
الخلاصة أن الشرق الأوسط لم يعد هامشا في أزمة الغرب بل أصبح مرآتها الأكثر وضوحا فكل تناقض أخلاقي وكل فشل سياسي في المركز ينعكس مضاعفا في الأطراف العالم يتغير بسرعة ومن لا يقرأ هذه التحولات بعقل بارد سيبقى أسير رهانات قديمة في زمن جديد والرهان الحقيقي اليوم هو على الوعي السياسي لا على الحماية الخارجية وعلى بناء شرعية داخلية صلبة في عالم لم تعد فيه القيادة حكرا على أحد