نحو إطار وطني جامع للسردية الأردنية في زمن التحولات
د.عبدالله القضاة
17-02-2026 11:18 AM
في لحظات التحول الكبرى التي تعيشها منطقتنا، لا تكون المعركة عسكرية فقط، ولا سياسية فحسب، بل هي – قبل كل شيء – معركة رواية وهوية واتجاه. فالدول التي لا تمتلك سرديتها الواضحة، تجد نفسها أسيرة سرديات الآخرين، أو رهينة التأويلات العابرة والانفعالات اللحظية.
والأردن، منذ تأسيس الدولة عام 1921، لم يكن كيانًا عابرًا في الجغرافيا، بل مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا قائمًا على رسالة واضحة: دولة عربية مستقلة، ذات شرعية هاشمية، تؤمن بالاعتدال، وتحمي التوازن، وتتمسك بالحق العربي وفي مقدمته القضية الفلسطينية.
لقد تشكلت السردية الأردنية عبر قرن كامل من التحولات. تأسست مع الإمارة، وترسخت مع الاستقلال، واختُبرت في الحروب، وتعززت في محطات دقيقة من تاريخ المنطقة. وكانت دائمًا تستند إلى ثوابت واضحة: وحدة الدولة، التعدد داخل الإطار الوطني، مركزية القدس، ودور الأردن كعامل استقرار إقليمي.
غير أن العالم من حولنا يتغير بسرعة غير مسبوقة، السرديات تتصارع على منصات التواصل قبل أن تتصارع على الأرض. والشباب يتلقون معلوماتهم من فضاءات مفتوحة، لا من كتب التاريخ المدرسية. والخطاب العام يتأثر أحيانًا بردود الفعل أكثر مما يتشكل وفق رؤية متكاملة.
من هنا تبرز الحاجة، لا إلى “إعادة كتابة” هوية الأردن، فهويته راسخة ومتجذرة، بل إلى تعزيزها وتحديث أدوات التعبير عنها بما ينسجم مع متغيرات العصر. لسنا أمام أزمة هوية، ولكننا أمام تحدي تجديد الخطاب الوطني الجامع، وصياغته بلغة معاصرة، قادرة على مخاطبة الداخل بثقة، والخارج بوضوح.
إن السردية الوطنية ليست نصًا إعلاميًا، ولا شعارًا سياسيًا، بل هي منظومة متكاملة تشمل: التعليم، الإعلام، السياسة الخارجية، الثقافة العامة، وأسلوب تواصل الدولة مع مواطنيها.
وإذا كانت الشرعية الهاشمية قد شكلت عبر عقود ركيزة الاستقرار، وإذا كان دور الأردن في حماية المقدسات في القدس يمثل بعدًا تاريخيًا وأخلاقيًا راسخًا، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نعيد تقديم هذه الثوابت للأجيال الجديدة بلغة العصر، دون مبالغة، ودون انكفاء.
إن الدول العميقة لا تترك روايتها للتشتت، ولا تسمح بأن تُختزل في لحظة انفعال. بل تعمل بهدوء على بلورة إطار مرجعي جامع، يرسخ الثوابت ويستوعب التنوع، ويمنع الانقسام، ويعزز الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولعل من المناسب التفكير في إطلاق مبادرة وطنية رفيعة المستوى، برعاية ملكية، تُعنى بتعزيز الهوية الوطنية الأردنية وتحديث سرديتها في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية، على أن تضم نخبة من المؤرخين وعلماء الاجتماع وخبراء التربية والإعلام، إضافة إلى تمثيل شبابي ومناطقي يعكس روح الدولة الجامعة.
هدف هذه المبادرة لن يكون صياغة رواية جديدة، بل توحيد المرجعية، وردم فجوة الأجيال، وتعزيز الانتماء الواعي، وتقديم صورة الأردن كما هو: دولة قانون، دولة مؤسسات، دولة رسالة.
إن الأردن لم يكن يومًا دولة ضجيج، بل دولة توازن، ولم يكن دولة انفعال، بل دولة عقل.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى إطار وطني جامع يحمي هذا الإرث، ويمنحه لغة المستقبل. فالسردية ليست ترفًا فكريًا، بل أحد عناصر الأمن الوطني، والهوية ليست شعارًا، بل عقدًا معنويًا بين الدولة ومواطنيها. وفي زمن تتزاحم فيه الروايات، يبقى الأجدر بنا أن نروي حكايتنا نحن… بوعي، وبثقة، وبمسؤولية دولة.
* أمين عام وزارة تطوير القطاع العام سابقا