تنظيم المضادات الحيوية وتعزيز الأمن الصحي: من الضبط إلى الإدارة الرشيدة
أ. د. طارق مقطش
18-02-2026 12:06 PM
يستحق القرار الصادر عن المؤسسة العامة للغذاء والدواء بتنظيم صرف المضادات الحيوية إشادة واضحة، لأنه يعكس إدراكًا وطنيًا متقدمًا لحجم التحدي الذي تمثله مقاومة المضادات الحيوية على الأمن الصحي. ففي وقت تتزايد فيه معدلات المقاومة عالميًا، وتُسجَّل ملايين الحالات والوفيات المرتبطة بها، يصبح الحفاظ على فعالية هذه الأدوية مسألة سيادية تتعلق باستدامة النظام الصحي وقدرته على حماية المجتمع.
تنظيم الصرف بوصفة طبية خطوة أساسية ومهمة، لكنها ليست سوى جزء من الصورة. فالمشكلة لا تقتصر على الإسراف في الصرف من الصيدليات، بل تتعداه إلى الإسراف في الوصف داخل وخارج المستشفيات. كثير من المضادات الحيوية تُوصف لحالات لا تتطلب علاجًا بكتيريًا أصلًا، أو يُلجأ إلى مضادات واسعة الطيف عندما يكفي علاج ضيق الطيف، أو تُطيل مدة العلاج دون مبرر علمي. هذه الممارسات، حتى وإن كانت بحسن نية، تسهم في خلق ضغط انتقائي يؤدي إلى ظهور سلالات مقاومة تهدد فعالية العلاج مستقبلًا.
من هنا، فإن الاكتفاء بمنع الصرف دون وصفة طبية لا يكفي لتحقيق الأثر المرجو. المطلوب هو تبني نهج متكامل يقوم على الالتزام بالإرشادات العالمية المبنية على الدليل، وتكييفها مع السياق المحلي وأنماط المقاومة الوطنية، إضافة إلى اعتماد برامج متقدمة لإدارة استخدام المضادات الحيوية. هذه البرامج لا تهدف إلى تقليل استخدام المضادات الحيوية فحسب، بل إلى تحسين استخدامها، بحيث يحصل المريض على الدواء المناسب، بالجرعة المناسبة، وللمدة المناسبة، وفي الوقت المناسب.
تطبيق برامج الإدارة الرشيدة داخل المستشفيات يتطلب فرقًا متعددة التخصصات تضم أطباء الأمراض المعدية، وصيادلة سريريين، وأخصائيي مختبرات، وخبراء مكافحة العدوى، تعمل على مراجعة الوصفات، ومراقبة الاستهلاك، وتحليل أنماط المقاومة، وتقديم تغذية راجعة مستمرة للأطباء. كما يشمل ذلك وضع بروتوكولات علاجية واضحة، واعتماد سياسات المراجعة الدورية للعلاج بناءً على نتائج الزراعة والتحسس الجرثومي. أما في الرعاية الأولية، فيتطلب الأمر إرشادات علاجية مبسطة وواضحة، وتدريبًا مستمرًا، وأنظمة إلكترونية داعمة لاتخاذ القرار، إضافة إلى رفع وعي المجتمع.
ويتقاطع هذا التوجه مع مفهوم الأمن الصحي في أبعاده الواسعة؛ فحماية فعالية المضادات الحيوية تعني حماية قدرة النظام الصحي على إجراء الجراحات، وعلاج الأمراض المزمنة، ورعاية المرضى الأكثر هشاشة. كما أن مواجهة مقاومة المضادات الحيوية لا يمكن أن تتم بمعزل عن نهج الصحة الواحدة، الذي يربط بين صحة الإنسان وصحة الحيوان وسلامة البيئة. الاستخدام غير المنضبط في القطاعات البيطرية أو الزراعية، ووجود متبقيات دوائية في بعض المنتجات الحيوانية، كلها عوامل تساهم في تعقيد المشهد، ما يستدعي تنسيقًا وطنيًا شاملًا وأنظمة ترصد متكاملة.
هذا المسار يتناغم بوضوح مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي، التي تضع تطوير القطاع الصحي ورفع كفاءته واستدامته في قلب عملية الإصلاح. فتعزيز الحوكمة الدوائية، وتحسين جودة الرعاية، وتقليل الكلف الناتجة عن العدوى المقاومة، كلها عناصر تسهم في بناء نظام صحي أكثر مرونة وتنافسية. كما أن حماية فعالية المضادات الحيوية تعزز الثقة بالقطاع الصحي الوطني، وتدعم مكانة الأردن كمركز إقليمي للرعاية الطبية المتقدمة.
إن قرار تنظيم المضادات الحيوية يمثل خطوة شجاعة ومطلوبة في الاتجاه الصحيح، لكن نجاحه يعتمد على تحويله من إجراء رقابي إلى استراتيجية متكاملة تقوم على التنفيذ الذكي، وتغيير ثقافة الوصف، وتبني برامج الإدارة الرشيدة، وتعزيز التنسيق متعدد القطاعات. عندها فقط نكون قد انتقلنا من مجرد ضبط الصرف إلى بناء منظومة مستدامة تحمي صحة المواطن اليوم وتحافظ على فعالية العلاج للأجيال القادمة، وترسخ مفهوم الأمن الصحي كجزء لا يتجزأ من مسار التحديث الوطني.