facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عندما تُدار الدولة بعقلية المكتب لا بعقلية الدولة


د. بركات النمر العبادي
18-02-2026 01:48 PM

لم تعد أزمات البلاد مجرّد أرقام في تقارير رسمية أو عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في رزقه، وفرصه ، وكرامته : فقرٌ يتسع ، بطالةٌ تتجذر، إدارةٌ مترهلة ، وفسادٌ يتسلل من ثغرات المحسوبية وغياب المحاسبة.

المشكلة اليوم لم تعد في نقص الموارد فقط ، بل في طريقة إدارة الدولة ، فحين تُملأ المواقع الحساسة بتعيينات قائمة على القرب والصداقة لا على الكفاءة والخبرة ، و تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية ، وتُدار بعقلية “المدير التنفيذي” لا بعقلية رجل الدولة.

لقد بدأت موجة الخصخصة تحت شعارات براقة: تحسين الكفاءة ، تخفيف العبء عن الخزينة ، وجذب الاستثمار ، لكن ما الذي حدث فعليًا؟

ضاعت أصول استراتيجية ، وتآكلت القدرة السيادية للدولة على قطاعات حيوية، ولم ينعكس ذلك لا على تخفيض الدين ولا على تحسين معيشة المواطن . بل العكس ، زادت الأعباء وارتفعت الكلف ، وغابت الشفافية عن مصير العوائد.

أما الإدارة المحلية، التي كان يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن مصالح الناس ، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى نموذج مصغّر عن الخلل الوطني : قرارات بلا رؤية، مشاريع بلا أثر، وتضخم إداري بلا إنتاجية ، كل ذلك يحدث بينما المواطن يُطالب بالصبر، ويُحمَّل وحده كلفة الفشل.

الأخطر من كل ما سبق هو غياب صُنّاع المستقبل، نحن لا نعاني من نقص موظفين ، بل من ندرة رجالات دولة، نحتاج من يقود بعقل استراتيجي ، لا من يكتفي بإدارة الملفات وتدوير الأزمات ، نحتاج من يرى عشر سنوات للأمام على الاقل ، لا من يحسب ردود الفعل للأسبوع القادم.

الدولة لا تُدار بالولاءات، ولا تُبنى بالمسكنات، والإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الشعارات، بل من تغيير العقلية: عقلية تحاسب ، تختار الأكفأ ، تحمي المال العام ، وتعيد الاعتبار لفكرة الخدمة العامة لا الامتياز الخاص.

إن استمرار النهج الحالي يعني مزيدًا من التآكل في الثقة ، ومزيدًا من الاحتقان ، ومزيدًا من الفرص الضائعة ، والتاريخ لا يرحم من أضاع اللحظة ، ولا من اكتفى بدور “مدير مكتب” في وقتٍ كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى رئيس حكومة بمعنى الكلمة.

لقد طرح جلالة الملك، في أكثر من محطة ، رؤية واضحة لمستقبل الدولة الأردنية : دولة قانون ، قائمة على الكفاءة ، والعدالة ، وتكافؤ الفرص ، رؤيةٌ تدعو إلى إعادة الاعتبار لمفهوم "الخدمة العامة"، وبناء إدارة حديثة تليق بتحديات المرحلة.

لكن ورغم كل هذه الإشارات ، ما تزال الحكومات عاجزة عن التقاط نبض التوجيه الملكي أو ترجمة مضامينه على أرض الواقع.

بل وأكثر من ذلك، وكأن هناك من يقود البلاد عمدًا نحو نقاط تأزيم ، بدلًا من تفكيك الأزمات ، في وقتٍ نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى الحكمة ، والتماسك ، وصون الاستقرار.

فشارعٌ يغلي بصمت ، وثقةٌ تتآكل ، وطبقة وسطى تُستنزف ، كلّها مؤشرات لا يمكن تجاهلها، ومن يظن أن الأردنيّ سيظل صامتًا إلى ما لا نهاية ، فهو لا يفهم طبيعة هذا الشعب ، ولا يدرك كيف تحمي الشعوب أوطانها حين تُدفع نحو الزوايا الضيقة.

الأردن اليوم بحاجة إلى رجال دولة حقيقيين ، لا إلى موظفين من الصف الثاني ، بل هوبحاجة إلى قيادة تنفيذية توازي عمق الرؤية الملكية ، وتضع البلاد على سكة الإصلاح لا الدوران في فراغ ، فالأوطان لا تُبنى بالتأجيل ، ولا تُصان بالترقيع ، والتاريخ – كما نعلم – لا يُنصف المتأخرين.

حمى الله شعب الاردن و قيادته الهاشمية الحكيمة.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :