عندما تُدار الدولة بعقلية المكتب لا بعقلية الدولة
د. بركات النمر العبادي
18-02-2026 01:48 PM
لم تعد أزمات البلاد مجرّد أرقام في تقارير رسمية أو عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه المواطن في رزقه، وفرصه ، وكرامته : فقرٌ يتسع ، بطالةٌ تتجذر، إدارةٌ مترهلة ، وفسادٌ يتسلل من ثغرات المحسوبية وغياب المحاسبة.
المشكلة اليوم لم تعد في نقص الموارد فقط ، بل في طريقة إدارة الدولة ، فحين تُملأ المواقع الحساسة بتعيينات قائمة على القرب والصداقة لا على الكفاءة والخبرة ، و تتحول مؤسسات الدولة إلى هياكل شكلية ، وتُدار بعقلية “المدير التنفيذي” لا بعقلية رجل الدولة.
لقد بدأت موجة الخصخصة تحت شعارات براقة: تحسين الكفاءة ، تخفيف العبء عن الخزينة ، وجذب الاستثمار ، لكن ما الذي حدث فعليًا؟
ضاعت أصول استراتيجية ، وتآكلت القدرة السيادية للدولة على قطاعات حيوية، ولم ينعكس ذلك لا على تخفيض الدين ولا على تحسين معيشة المواطن . بل العكس ، زادت الأعباء وارتفعت الكلف ، وغابت الشفافية عن مصير العوائد.
أما الإدارة المحلية، التي كان يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن مصالح الناس ، فقد تحولت في كثير من الأحيان إلى نموذج مصغّر عن الخلل الوطني : قرارات بلا رؤية، مشاريع بلا أثر، وتضخم إداري بلا إنتاجية ، كل ذلك يحدث بينما المواطن يُطالب بالصبر، ويُحمَّل وحده كلفة الفشل.
الأخطر من كل ما سبق هو غياب صُنّاع المستقبل، نحن لا نعاني من نقص موظفين ، بل من ندرة رجالات دولة، نحتاج من يقود بعقل استراتيجي ، لا من يكتفي بإدارة الملفات وتدوير الأزمات ، نحتاج من يرى عشر سنوات للأمام على الاقل ، لا من يحسب ردود الفعل للأسبوع القادم.
الدولة لا تُدار بالولاءات، ولا تُبنى بالمسكنات، والإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تغيير الشعارات، بل من تغيير العقلية: عقلية تحاسب ، تختار الأكفأ ، تحمي المال العام ، وتعيد الاعتبار لفكرة الخدمة العامة لا الامتياز الخاص.
إن استمرار النهج الحالي يعني مزيدًا من التآكل في الثقة ، ومزيدًا من الاحتقان ، ومزيدًا من الفرص الضائعة ، والتاريخ لا يرحم من أضاع اللحظة ، ولا من اكتفى بدور “مدير مكتب” في وقتٍ كانت البلاد بأمسّ الحاجة إلى رئيس حكومة بمعنى الكلمة.
لقد طرح جلالة الملك، في أكثر من محطة ، رؤية واضحة لمستقبل الدولة الأردنية : دولة قانون ، قائمة على الكفاءة ، والعدالة ، وتكافؤ الفرص ، رؤيةٌ تدعو إلى إعادة الاعتبار لمفهوم "الخدمة العامة"، وبناء إدارة حديثة تليق بتحديات المرحلة.
لكن ورغم كل هذه الإشارات ، ما تزال الحكومات عاجزة عن التقاط نبض التوجيه الملكي أو ترجمة مضامينه على أرض الواقع.
بل وأكثر من ذلك، وكأن هناك من يقود البلاد عمدًا نحو نقاط تأزيم ، بدلًا من تفكيك الأزمات ، في وقتٍ نحن فيه بأمسّ الحاجة إلى الحكمة ، والتماسك ، وصون الاستقرار.
فشارعٌ يغلي بصمت ، وثقةٌ تتآكل ، وطبقة وسطى تُستنزف ، كلّها مؤشرات لا يمكن تجاهلها، ومن يظن أن الأردنيّ سيظل صامتًا إلى ما لا نهاية ، فهو لا يفهم طبيعة هذا الشعب ، ولا يدرك كيف تحمي الشعوب أوطانها حين تُدفع نحو الزوايا الضيقة.
الأردن اليوم بحاجة إلى رجال دولة حقيقيين ، لا إلى موظفين من الصف الثاني ، بل هوبحاجة إلى قيادة تنفيذية توازي عمق الرؤية الملكية ، وتضع البلاد على سكة الإصلاح لا الدوران في فراغ ، فالأوطان لا تُبنى بالتأجيل ، ولا تُصان بالترقيع ، والتاريخ – كما نعلم – لا يُنصف المتأخرين.
حمى الله شعب الاردن و قيادته الهاشمية الحكيمة.