السردية الأردنية كما أرادها ولي العهد
صالح الشرّاب العبادي
11-02-2026 04:13 PM
كيف تُبنى الذاكرة الوطنية دون أن تتحوّل إلى خطاب؟
ليست السردية الأردنية سؤالَ محتوى، بل سؤالَ منهج ، فما نواجهه اليوم لا يتعلق بندرة الحكايات ولا بفقر الذاكرة، بل بكيفية تحويل هذا الثراء التاريخي والاجتماعي إلى وعي وطني راسخ، لا إلى خطاب مؤقت يُستهلك ثم يُنسى ، هنا، تحديدًا، يكمن جوهر التحدي الذي تطرحه مقاربة سمو ولي العهد الحسين بن عبدالله الثاني للسردية الوطنية.
فالسردية، كما تُفهم من هذا التوجيه المهم ، ليست بيانًا رسميًا ولا نصًا ترويجيًا، بل بنية وعي طويلة الأمد ، هي ملكٌ للمجتمع قبل أن تكون أداة للدولة، ومسؤولية مشتركة لا تُدار بالأوامر ولا تُضبط بالشعارات ، الدولة تحمي الإطار، نعم، لكنها لا تُملي الذاكرة، ولا تختزل التجربة، ولا تُهذّب التاريخ ليبدو أكثر انسجامًا مما كان عليه.
الخطأ الشائع في مشاريع السرديات الوطنية هو الاعتقاد أن الخطر يأتي من التعدد، بينما الحقيقة أن الخطر الحقيقي يكمن في إنكاره، فالذاكرة الأردنية لم تُصغَ من مسار واحد، بل من مسارات متداخلة: مكان يتغيّر، مجتمع يتشكّل، دولة تنمو، وأسئلة رافقت هذا المسار ولم تكن دائمًا سهلة أو مريحة. سردية تخاف من هذه الأسئلة لا تحمي الهوية، بل تُضعفها.
كما أن السردية التي تُغلق باب المراجعة تتحوّل سريعًا إلى خطاب ، والخطاب، مهما بدا قويًا، قصير العمر، لأنه لا يعيش إلا في لحظة التلقي ، أما السردية الوطنية، فيجب أن تكون صالحة للاستدعاء بعد عشرين وثلاثين عامًا وأكثر ، مرجعًا يُستخدم، لا موقفًا يُدافع عنه.
السردية الوطنية لا تُبنى بالحذر، بل بالجرأة ، الجرأة على فتح الأبواب التي طالما طُرحت خلفها الأسئلة ولم تجد جوابًا، والجرأة على مواجهة اللحظات الرمادية في التاريخ دون خوف أو تبرير. فالسردية التي تتجنب الأسئلة الصعبة لا تحمي الذاكرة، بل تتركها معلّقة، قابلة للتأويل، وسهلة الاختطاف من الروايات القديمة والحديثة على حد سواء.
إن ترك الفراغ في الذاكرة الوطنية أخطر من أي اختلاف في الرواية ، فالفراغ يُملأ دائمًا، وإن لم نملأه نحن بصدق ومعرفة، ستملؤه قراءات متناقضة، وتأويلات متضاربة، وإجابات بلا مرجعية واضحة ، عندها لا تعود السردية ملكًا لأهلها، بل تتحول إلى ساحة مفتوحة لكل من يريد إعادة تعريف الوطن من زاويته الخاصة.
السردية الجريئة لا تعني كسر الثوابت، بل تثبيتها عبر الفهم العميق لا عبر الصمت ، وهي لا تبحث عن إجابات مريحة، بل عن إجابات حقيقية، حتى لو كانت مؤلمة أو غير مكتملة ، فالتاريخ لا يُنقَّى بالحذف، بل يُحصَّن بالاعتراف، والذاكرة لا تُحمى بالتجميل، بل بالوضوح.
لهذا، فإن السردية الأردنية التي طرح موضوعها سمو ولي العهد والتي نحتاجها اليوم ، هي سردية قوية، صادقة، ومسؤولة؛ سردية تُجيب بدل أن تُوارب، وتشرح بدل أن تُلمّح، وتُسمّي الأشياء بأسمائها، لا لتفتح الجراح، بل لتُغلقها على معرفة، لا على إنكار او تردد .
الغاية النهائية ليست كتابة تاريخ عن الأردن ، فالتاريخ مكتوب ومعلوم ، بل تأسيس علاقة صحية مع الذاكرة: علاقة تعترف بالتجربة كما كانت، وتفهم التحوّلات كما حدثت، وتترك للأجيال حق القراءة لا مجرد التلقي، عند هذه النقطة فقط، تصبح السردية الأردنية قوة وعي حقيقية، لا مجرد استجابة ظرفية أو مناسبة إعلامية .
اخيراً …. السردية ليست فزعة، ولا حملة عاطفية، ولا توزيعًا عشوائيًا للأدوار والروايات ، هي عمل تراكمي هادئ، يحتاج إلى منهج، وضبط، ومسؤولية معرفية ، السردية التي تُدار بردّات الفعل أو بحماس اللحظة تفقد معناها سريعًا، لأن الوعي لا يُبنى بالاندفاع، بل بالفهم العميق، وبقدرة صادقة على التمييز بين ما يُروى، وما يُوثَّق، وما يُفسَّر …